اليسار المصري والبترول العربي

حتى بدايات ربيع عام 1977 حين اندلعت وتنامت المناقشات الاقتصادية عقب مظاهرات يناير التي أعقبت محاولة القيسوني تقليل دعم الخبز كان اليسار المصري لا يزال ينظر إلى الدول العربية البترولية نظرة استعلاء غير مبررة، وغالب الأمر أن السبب في هذا كان راجعا إلى التزام اليسار المصري بالحفاظ على فوقيته النخبوية المتوهمة في مقابل المجتمع العربي التقليدي. ربما يكون هذا التوجه مدعاة للرثاء لكنه حدث على أرض الواقع وتكرر بل واستمر هذا التعالي غير المبرر لفترة غير قصيرة في العقد الأول من عهد الرئيس مبارك.

  

ومن الطريف أن الأستاذ توفيق الحكيم نفسه كان كالعهد به سابقا بفكره الاستشرافي على مفكري اليسار الاقتصاديين، وقد تجلى هذا السبق في أكبر من قضية كانت منها القضية التي عرفت باسم دور رأس المال العربي في التنمية الاقتصادية لمصر، ومن المدهش أن منظري السار المتمرسين قدموا هذه القضية في إطار أنها صراع بين علمانيتهم المنشودة والفكر البترولي العربي الذي شخصوه على أنه ليس تقدميا ومن ثم فإن المال المتولد عن هذا البترول سيؤذي تقدمهم العلماني الساحق وهكذا يتحتم وضع الضوابط والاحتياطات الكفيلة.

  

ربما نتعجب الآن وقد عشنا أربعين سنة بعد هذه النصوص المقدسة من أن ما حدث كان هو عكس ما توقعه اليسار المصري تماما فقد بنت جميع هذه النظم بلادها بأموال البترول ما عدا ليبيا

وعن الكتاب القيم "ملف الرئيس عبد الناصر: حوار اليسار المصري مع توفيق الحكيم" ننقل هذه الفقرات التي عبرت بوضوح عن رأي خالد محيي الدين وأقطاب اليسار المصري من حوله في هذه الإشكالية التي بدعوها وغنوا لها:

"…أود أن أضيف نقطتين في موضوع البترول والعلمانية:

النقطة الأولى: صحيح أن جزءا كبيرا من البترول في أيدي قوى ليست مستقبلية لكن، هناك، أيضا، قوة ممكن تعتبرها مستقبلية.

ولذلك أقول: إن نقطة الانطلاق. في مصر، في العلاقات العربية، إنما تبدأ مع ما يسمي بالدول التقدمية العربية – يعني عندنا العراق والجزائر وأيضا ليبيا، بصرف النظر عن موقف ليبيا الفكري. ولكن، هي – في اتجاهها العام – في معاداة للإمبريالية."

 

"وبصرف النظر عن الاتجاهات الفكرية لدى العقيد القذافي، فأنهم، هناك، في ليبيا يتجهون إلى القيام بعملية بناء، ويرصدون لهذا أموال البترول بحيث لا تتبدد هباء كما يحدث في مجتمعات أخرى." "بالإضافة، إلى أن الخط العام هناك معاد للإمبريالية، وهو خط عربي"

  

ربما نتعجب الآن وقد عشنا أربعين سنة بعد هذه النصوص المقدسة من أن ما حدث كان هو عكس ما توقعه اليسار المصري تماما فقد بنت جميع هذه النظم بلادها بأموال البترول ما عدا ليبيا. كذلك فإن دعوى معاداة الإمبريالية سرعان ما أثمرت النقيض. وعلى كل الأحوال فلنقرأ جوهر هذا المخطط اليساري المصري في التعاون العربي من خلا تعقيب حاسم لمقرر الموضوع: "ابدأ، أولا، بالتعاون مع هذه البلدان التي يمكن أن نعمل معها عملا ما"

 

ثم يمن علينا مفكرو اليسار بأنهم سيوافقون الأستاذ توفيق الحكيم فيما قرره من احتياجنا لرؤوس الأموال العربية لكنهم يجيدون التحفظ: "وأحب أن أقرر شيئا آخر، كما قال الأستاذ توفيق الحكيم، وهو أن حاجتنا إلى المال العربي مؤكدة لأن الإيرادات العامة لا تكفي، حتى إذا أدخلنا في الاعتبار فوائض القطاع العام، لأن هناك، في الناحية المقابلة، متطلبات التعمير، وهي أمور ضاغطة تدفع الحكومة إلى التوجه إلى المال العربي. معني ذلك، أن هناك ضغوطا حقيقية وواقعية – علي الحكومة لكي تسلك هذا الطريق. "لسنا ضد الانفتاح. ولكن الانفتاح الذي يخدم تطور القطاع الاشتراكي في الاقتصاد العربي".

 

ومن الطريف أن هذا الحديث اليساري عن رأس المال العربي كان يستدعى حديثا مواكبا له عن ضرورة البعد عن الدين مع عدم التصريح الصريح بهذا البعد من ضرورة إقرار البعد عن الدين، وفي هذا يقول مفكرو اليسار: "عند الكلام عن معركة التنوير يجب أن نكون حريصين حتى لا يؤول هذا الكلام فيقال إننا معادين لقضية الدين". "صحيح أن كل ما يوضع هذه الأيام تحت شعار الدين لا يقصد به وجه الدين. وإنما هناك نشاط سياسي يحاول أن يستخدم الدين ويرفع شعارات: الحكم للإسلام.. الخ ".



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة