تجربتي مع الاكتئاب.. المرض الذي يقتل الروح

يعرف الاكتئاب بأنه اعتلال عقلي يعاني فيه الشخص من الحزن والمشاعر السلبية لفترات طويلة، أهم ما يميزه هو الانخفاض الحاد والمتسارع في المزاج والنفور من الأنشطة، كما تصادفه مشاعر القلق والتشاؤم الذي يجعل الفرد يفتقد الهدف من الحياة، هكذا يعرف علماء النفس هذا الاضطراب الذي يعاني منه أكثر من 300مليون شخص حول العالم ومن جميع الأعمار، وتعتبره منظمة الصحة العالمية من الاعتلالات المؤدية غالبا إلى الانتحار. لنترك الكلام العلمي والاحصائيات جانبا، ولنتكلم عن هذا الاضطراب من وجهة نظر مريضة مكتئبة.

 

هل هو مجرد مرض يفقد المصاب به الرغبة في الحياة وكفى؟ بالتأكيد لا، هو داء يفتك بالمريض ويأكله شيئا فشيئا إلى أن يفقده الحياة بشكل ما، تبدو الأمور بسيطة حين تقرأ أو تسمع عنه، لكن الحقيقة أنه "من برا الله الله ومن داخل يعلم الله"، ولأنه يعتبر عيبَا فالمريض في الأوساط العربية يضطر أحيانَا إلى عدم اللجوء إلى مختص، لأن العائلة والأصدقاء سيحسبونه مختل عقلي، في حالتي كان الوضع مختلفا تماما؛ والدتي تتابع علاجها عند اختصاصي نفسي منذ ثمان سنوات، ما جعلها تعرف المشاكل النفسية عن قرب، كما كون لديها وعي بأهمية زيارة الاختصاصي النفسي، وكانت تصر على ذلك خاصة في فترات مراهقتنا.

 

لكن حكايتي الشخصية مع الطبيب النفسي بدأت شهر أبريل من السنة الفارطة، لم أذهب برغبتي بل اقتادني أبي إليه مرغمة، وعرف الطبيب ذلك منذ البداية، لكن العلاقة بيننا بنيت بهدوء وسكينة رغم أني تجاوزت الأمر بصعوبة شديدة، في البداية حاولت بناء جدار سميك بيني وبين هذا الرجل البسيط الذي يحاول إقناعي أن آلامي الجسدية أثرت فيَ بشكل سلبي، ترك بعض الندوب في سطحي النفسي.

 

الاحساس بالدونية، انعدام الرغبة في المتعة، اضطرابات النوم، اضطرابات الشهية، فقدان الطاقة، الانطواء والانسحاب والانعزال والأفكار الانتحارية كلها أعراض لهذا الاعتلال، وأنا "بلا فخامة عليكم" قد جربتها جميعها

محاولا تخفيف أثر الصدمة علي، راح معالجي النفسي يقنعني بأني جميلة القلب والروح، وأني قوية سأتجاوز الأمر في غضون شهور، وأني إنسانة ناجحة وعلاقاتي الاجتماعية جيدة، وأن وعيي بما أعانيه سيجعل الأمر هينا، ثم انتهى إلى حاجتي لتعاطي بعض العقاقير المساعدة البسيطة، بعض الفلوكستين والأميتربتيلين سيكون مفيدا ومعينا للخروج من هذه الأزمة العابرة!

  

وبدأت الرحلة، استجبت لنصائح الدكتور والتزمت بتناول الأدوية بعناية فائقة، مع محاولة لترويض العقل على استيعاب أني لست مريضة فقط آلياتي العصبية تحتاج بعض المساعدة لتعمل بشكل جيد. لكني لم أملك شجاعة الاعتراف بداء نفسي، لم أتحدث عن مرضي مع أحد، حتى أقرب المقربين مني، ورغم أن والدتي تعرف أن الأدوية التي أتعاطاها هي لعلاج الاكتئاب والقلق، إلا أنها لم تتحدث عن الأمر وأنا ناسبني ذلك جدا.

  

بعد اصابتي بهذا الاعتلال تغيرت الكثير من الأمور، يمكن أن تتلمسوا ذلك في علاقاتي التي حاولت انهاءها بشكل أو بآخر، التجمعات العائلية التي كنت أتوق لها كيف صرت أتهرب منها بكل ما بقي في من قوة، لقد تحولت من فتاة اجتماعية تشارك في الحياة بصخب، الى عجوز تهرب من كل ما يربط الأموات بالحياة، انسحبت بصمت من حياة كنت سابقا أريدها بشدة.

 

لا تبدو الأمور من هنا كما تبدو من هناك، ان كنت ترى أنني مجرد مصابة باكتئاب لا تعرف عنه غير أن صاحبه مر بظروف فأحزنته وأنه ضعيف الايمان بالله، فأنت مخطئ بلا شك، أنا يا صديقي جثة تعيش الفصول الأربعة في خمس دقائق، سيدة فقدت كل ما تملكه في ثوانٍ، أنا كل المحزونين في أرض الله الواسعة، متشردة نازحة لاجئة لبلد فيه كل شيء إلا الحياة الطبيعية.

 

ثم تأتيني صديقة مقربة تشكو غيابي، وأخرى تلوم إهمالي وعدم الرد على الهاتف، وصديق يتذمر من تأجيلي للقاء كان سيجمعنا، وأختي تغضب لأني لا ألتزم ببرنامج الاستيقاظ المنتظم، ويتوغّر صدر خالي لعدم التزامي بالزيارة، وأطرد من نادي القراءة، وأمنع من حضور دروس الخط لأني متهاونة في الحضور.

 

المخفيُ في أعماقنا لا أحد يعلمه، حين تعتذر عن لقاء سيطالبونك بالعذر المقنع، ستضطر إما للكذب أو للصدق، وكلاهما سيء، أنا كنت أفضل الكذب في بعض الأحيان وكان يجدي، أما الصدق فما عرضني له من سخرية واستهزاء لا يمكنك أن تتصوره، لا أحد سيفهم أنك تعتذر عن لقاءه لأن مزاجك سيء، أو لأنك لم تأخذ جرعة الفلوكستين وتحس بضياع، أو لأنك تحس بانقباض صدرك أو ضيق في التنفس، أو لأنك حزين لأن ايوهان موريتز لا يكاد يخرج من معتقل حتى يدخل غيره في رواية الساعة الخامسة والعشرون، أو تعيش فترة حداد لأن بطل الفيلم الذي شاهدته البارحة مات في النهاية.. ومالانهاية من الأحداث التي تحزنك ولا تعني شيئا للآخرين مهما وكيفما كانت درجة قربهم منك.

 

الاحساس بالدونية، انعدام الرغبة في المتعة، اضطرابات النوم، اضطرابات الشهية، فقدان الطاقة، الانطواء والانسحاب والانعزال والأفكار الانتحارية كلها أعراض لهذا الاعتلال، وأنا "بلا فخامة عليكم" قد جربتها جميعها، ليست بالخطيرة ولا المقلقة تمر بخفة وبساطة في أغلب الأحيان، اللهم إن نجحت تجربة الانتحار، حينها يمكن أن أطلعك على بعض التعليقات التي ستقال عنك؛ المنتحر كافر، لا يجوز الترحم على المنتحر، أعوذ بالله ناس لا يؤمنون بالله وغيرها الكثير.

 

حين تصاب بالاكتئاب لن يهتم أحد، لكنك حين تنتحر سيهتم الجميع، سيجدون لك المبررات والعواقب والنتائج، سيدققون حينها في كلمات قلتها، ونظرات نظرتها، وحروفك التي كتبتها، سيعلمون يوم دفنك أنك كنت تحضر جلسات أسبوعية مع المعالج النفسي، وأنك كنت تتعاطى مضادات اكتئاب ثلاثية الحلقات، سيعرفون عنك الكثير ولكن مع الأسف في الوقت المتأخر.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تتسم ظاهرة التنمر بتنامي مضطرد، وتشير الإحصاءات وفقا لدراسة أجرتها "مؤسسة التنمر في العمل" الأمريكية بالـ2017 إلى أن 60 بالمائة من الموظفين الذين شملهم الاستطلاع طالهم التنمر في مكان العمل.

الأكثر قراءة