الجزائر من رفض العهدة الخامسة إلى رفض النظام

blogs الجزائر

أقسموا وسط العاصمة الجزائر ألا يرجعوا عن مطالبهم إلا وقد تحققت، إلغاء العهدة الخامسة كان عنوانها الأول أما وقد زهد فيها الرئيس مرغما لا مخيرا، فقد نتج عن ذلك مطلب ثان وهو رحيل النظام برمته رافضا فكرة التمديد، فبعد أن كُسِر حاجزُ الخوف لديهم وتأكدهم أن لا بديل عن الكرامة والحرية واعتبارا بقولهم "المحن تشحذ الهمم" وبه ازدادت المطالب، فما إن حزم الشباب أمرهم وجعلوا هدفهم ولادة نظام جديد فإذ بها الرؤوس اليانعة تتوالى بالسقوط ولا قاطف لها سواهم. إذا انهالت عليك أيْمَانُ الشعب ونُذُرُه سيدي الرئيس فإن إسقاطهم إياك لن يكون عنهم بعزيز.

 

ولكن قبل الربيع الجزائري وربطا بالجغرافيا السياسية للمنطقة إذ شكلت منعطفا لدى الرأي العام الجزائري ووفرت له الظروف والأسباب، فلقد انتهى الشوط الأول من الربيع العربي فجاء بحكومات سِمتها الغالبة أنها إسلامية، استمرت شهورا في بعض الدول وسنواتا في أخرى، تحققت مكاسب قيل عنها ديموقراطية، حيث لا تدخل خارجيا فيها إلا ما كان من أصوات الشعوب، تلاها شوط ثان قيل عنه إنها ثورات مضادة، وعادت حليمة إلى عادها القديمة، حيث تحرك العسكر في بعضها فانقلب على إرادة الشعوب، وفي بعضها نخب عار مهدت لتدخلات خارجية أثرت ورعت الأنظمة الجديدة سنواتا عجافا كانت رِدَّتها على الشعوب.

 

موقع الجزائر الاستراتيجي المحايد لأوروبا وبوابة الهجرة غير الشرعية من أفريقيا شكل منعطفا حال دون انزلاق الوضع وحماية الجيشِ للشعب

جاء الشوط الثالث وفيه تحركت شعوب كان قد فاتها قطار الثورات العربية بل قيل إنها خذلته وتخلفت عن موعده، منها السودان الذي قهره الجوع وجفاء البنوك، والجزائر المخوَّف دائما بالعشرية السوداء ولا يخفى على كل ذي لب مراقب سيطرة العسكر على هذه الدول بالحديد والنار، ورغم التخلف عن قطار الثورات إلا أنها استلهمت وورثت عن نظيراتها العربية شعار: "الشعب يريد..".

 

أن يغضب الشعب ويخرج للشارع حشودا فذلك لا يحدث كثيرا وإن حدث فلأمر جَلَل، وهي الكرامة كما هتف وتأكد، انتهاءً بتعرية أنظمة شوهت الأخلاق وضللت الرأي العام فلا ترعى غير أكالٍ للسحت يكذِّب الجميعَ ولا يصدِّق إلا الرئيس، هنا برز دور الإعلام في التضليل وتحولت مهمتها من ناقل للحقيقة ومشخص للواقع ومنور للرأي العام إلى ما يمكن تشبيهه بالوطاويط الليلية التي لا عمل لها إلا مص الدماء والأفكار ونزعها والتغول بها في الزيف والزيغ.

 

لم يكن لانتفاضة الجرائر أن تتحرك دون أن تستكمل أسبابُها كلَّ الفصول ويتحول ربيع الشباب إلى خريف يصعب هضمه ويعسر على النظام أن يفكر ولو لوهلة أنه لابد من بيدق جديد يكون بديلا لسلفه واستمرارا لحكم العسكر، أوما ترى كيف كانت زمرة من هؤلاء السياسيين وخصوصا في الحزب الحاكم وكيف تغيرت تصريحاتهم ومواقفهم منذ بداية الحراك إلى اليوم، وذلك فقط لأن الشعب قال "اترحلوا كَاع" أي ارحلوا جميعا، تبرأوا من الحزب الذي طبلوا وزمروا له لسنوات مديدة وأخذت الانشقاقات عنه تتوالى، وتحولوا إلى صف الشارع الذي في اعتقادهم أنهم سيستقوي بهم ويستقوون به ولكن هيهات.

 

وكما هو معلوم لدى أهل التحليل السياسي فإنه لا بد لكل حراك من تحركات داخلية وخارجية فللجزائر أيضا نصيبها فلقد سعى رمطال العمامة والإبراهيمي خلال جولتهما الخارجية لكل من الصين وروسيا لطمأنة الحلفاء بعد أن شعروا بتخوفهم خصوصا منهم أصحاب صفقات السلاح كالروس والاستثمارات الاقتصادية كالصين، ولكن أهي فعلا لطمأنة الحلفاء كما قالوا وزعموا؟ أم تنويع خيارات قد يحتمل تُجعل للدعم؟ أم حشدا لتحالفات تحسبا لأي سيناريو قد يطفو على السطح برأي النظام؟ أم هي للبحث عن صيغة وطبخة جديدة لثني الشعب عن إرادته وإيجاد حلول وسطية لحراكه؟

 

حلُّ يُسكت الشعبَ ويمهد للنظام حتى يجد بديلا عن بو تفليقية يحكم من خلاله، ما جعل حسب كثيرين تدخل روسيا على الخط وألمانيا باعتبارهما قوة جديدة على الساحة السياسية الدولية، قال قائلٌ منهم إن الجيش الجزائري ضامن لاستقرار البلاد وحذر رئيسُ أركانه الفريق قائد صالح من انفلات قد لا يكون في مصلحة الجميع، وزاد بأن الشعب يثق في الجيش، ونوه بل ربما حذر حينما قال بأنه لا بد للجيش أن يكون جزءا لحل الأزمة، اللافت في الأمر أن النظام الجزائري لم يستخدم العنف لثني الشارع عن مطلبه، كما هو معلوم لدى أدبيات النظام العربي القديم، فقيل إن موقع الجزائر الاستراتيجي المحايد لأوروبا وبوابة الهجرة غير الشرعية من أفريقيا شكل منعطفا حال دون انزلاق الوضع وحماية الجيشِ للشعب، أما عن الاستثمارات الخارجية في الجزائر سواء السياسية أو الاقتصادية وضرورة حماية المكتسبات فيها فليست فرنسا عن ذلك ببعيد.

 

ما يشاع ويذاع أن الرجل الحي الميت ربما قد لا يعلم أنه ترشح أم تنازل أم طلب التمديد فكل ما يجري هو بتدبير الحاشية والجيش

جمعةً إثر جمعة ولكل منها اسم يُختار لها تنطلق المسيرات وتتحرك الحشود مشكَّلة من كل شرائح المجتمع، الأطباء والمحامون والقضاة والأساتذة والتجار والطلبة وعمال البلديات، كلهم تحت راية واحدة ومطلب واحد. تظلهم السماء وتقلهم الأرض التي دفعوا في سبيلها مليون شهيد لطرد الغزاة الأجانب أما اليوم فإنهم يبتغون طرد غزاة داخليين لا يرقبون في خلق الله إِلاً ولا ذمة. بعد ذلك بل رغم ذلك ثم هذا كله وما جرى مجراه لا يزال الرئيس وحاشيته يأملون في رجوع الشعب عن مطلبه، أو عله ييأس ويستكن، لكن نوعا من أحرار الجزائر وخبرتهم في النضال وحنينهم إلى روح المقاومة والتحرر وانغماسهم في هذا الحاضر المستنير وخوفهم على المستقبل فإنهم ما وهنوا ولا هانوا ولا استكانوا، حتى يسقط النظام.

 

الرئيس الجزائري الذي قضى معه الإعلام المغربي شهر عسل في جنيف أمام المستشفى الذي كان يرقد فيه مصوبا كاميراته وعدساته يرقب وينتظر في الوقت الذي استوى فيه الركبان بين البلدين في جهة قوم يطلبون إسقاط الرئيس وفي أخرى شريحة ترغب في إسقاط التعاقد، يغطي الإعلام المغربي الملف الجزائري ويترك إخوانه من أهل التعليم يأتي عليهم العسكر بخيله ورجله، أما الإعلام الحكومي الجزائري فمنشغل هو الاخر بما يقع لأهل التعاقد في الرباط، وتمتد الحرب الاعلامية في الوقت الذي أعلنت فيه الدولة المغربية التزامها الحياد في الحراك الجزائري، ليس لأنه أراد الحياد بل لأن أي تحرك منه قد يستغله الجيش ويشيع أن ما يجري في البلاد صناعة خارجية ويثني من خلالها الشعب على ما يطلب.

  

أما صاحبنا الرئيس الذي خرج لتوه من القبر بكفالة ثم فُتحت شهيته على الأقل لتمديد ولايته المنتهية. فإنه لا يزال يعاند ويكابر لكن ما يشاع ويذاع أن الرجل الحي الميت ربما قد لا يعلم أنه ترشح أم تنازل أم طلب التمديد فكل ما يجري هو بتدبير الحاشية والجيش، والشعب ينظر إليه أنه على علاته هرم وتكفيه من الرئاسة أربع ولايات، لكن قيل قديما.. إن من يعش ثمانين حولا لا أبا لك يسئم.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة