الطبيب.. مُقصر أم مغلوب على أمره؟

blogs طبيب جراح

أما بعد؛ الإنصاف هنا الإقرار والإخبار بما يدور في أروقة مؤسسات الصحة.. الطبيب يدرس ويكرس سنوات عمره لطلب العلم، ثم يتم تعيينه ببضعه جنيهات لا تكفيه إعالة لنفسه فلا يحظى بأبسط حقوق الحياة. لن نزايد هنا لأن كل من ليس ذو شأن في إدارة القافلة لا يُعتبر مُستحقاً لإهدار المال عليه، هو عالة يُستنزف ويُتمنى زواله أيضاً. وبغض النظر عن كثير من الحيل السياسية لتثبيت أقدام الزعماء على حساب القافلة، فإن القضية التي نراها في نهاية المطاف هي صراعات بين فئات "مطحونة" لا مجال للاختلاف بينها إلا في فرص التعليم والوعي فقط. 

ما لا يفهمه الكثيرين أن الفضل يعود للطاقم الطبي بشكل كبير في استمرار قيام المستشفيات ومراكز الصحة بدورها في رعاية صحة الأفراد، وكثيراً ما تقوم المستشفيات على أموال التبرعات بشكل كبير حتى أُغرِقنا إعلانات مروجة للتبرع لصالح هذه المؤسسة وتلك.. وإذا كان هناك من يخرج حياً فإنه بفضل الله ثم بفضل من أعانك ممن هم حولك ثم يأتي المريض وذويه بكل فظاظة ليطعن فيمن قام على خدمته وشفاءه!

الطب ليس سحراً وليست عصا يلوح بها الطبيب فيبرئ الأكمه والأبرص. وما دمت مُصاباُ بعلة جسمية فأنت بحاجة لمن يساعدك لتحتفظ بما بقي من صحتك

يا سيدي؛ الذي يتسبب في موتك أثناء إجراء العملية الجراحية هو ذلك الشبح الذي قضيت عمرك تقاتل لإنقاذ ذاتك من خناقه تجويعاً وتعذيباً، منذ كنت تجري في الشوارع بحثاً عن ما تركبه، ثم تدور في حلقات مفرغة داخل مصالح حكومية لتستخرج ورقة ما، ومنذ أن أصبحت تتناول أسوا أنواع المأكولات (إن كنت ما زلت تأكل) وتشرب عكر الماء وتُصَبّ فوق رأسك قاذورات العالم كله دون رقابة أو عناية ممن يمتلك زمام الأمر، ومنذ سعيك يا سيدي الكهل لتكسب ما يسد الرمق ويكفي حاجتك وحاجة من تعولهم، هل ضاقت شرايينك في كل مرة اضطررت لدفع مبالغ لكل من تقف أمامه مصلحتك؟

ثم يا لها من مفاجأة أيها المسكين أنك بعد أعوام الشقاء والمذلة في كل ضواحي مدينتك تُلقي على طاولة بين الحياة والموت.. يقوم عليها الأطباء وطاقم التمريض، يعملون على إنقاذ روحك في ظل ظروف مُجحفة من رواتب هذيلة وإمكانيات لا ترقى للمعايير العالمية لضمان السلامة. تُرى من تلوم على وفاتك اليوم؟ هل من السهل أن يندفع ذويك نحو جلادهم الحقيقي؟ أنت تعلم أنه يمسك بسلاحه منتظراً صرخة منهم ليعاجلهم ببطشه ويسقطهم موتى من بعدِك..

أتعلم خنقة الموت وفراق الأحباء؟؟ تلك المشاعر التي لا تعلم ماهيتها ولا تفقه في حُكمها شيء، إلى أين تذهب؟ إلى من مد يد العون ولم يمتلك سلاحاً يضربك به.. ذلك سهل للغاية! فرغ حنقك وغيظك فيمن تعلم أنه لن يردِك قتيلا بسلاح! شأنك شأن الضباع الكسيحة تخشي بطش شديد البأس وتلهث في عداوة نحو صغير الأسد.

إليك إذن مفاجأة عظيمة لا يعلمها تسعة وتسعون بالمئة من بني البشر! الطب ليس سحراً وليست عصا يلوح بها الطبيب فيبرئ الأكمه والأبرص. وما دمت مُصاباُ بعلة جسمية فأنت بحاجة لمن يساعدك لتحتفظ بما بقي من صحتك! لأن الله وهبك الجسم والعافية ثم هم إلى زوال، وفي كثير من الأحيان تدهور الصحة يؤدي إلى الوفاة.. رغم كل المحاولات والجراحات والعقاقير الطبية، وتخيل أن هناك نسبة فشل كبيرة جداً في العلاج.. هذه حقائق علمية وسُنن كونية.

هذا المقال ليس محايداً إن كنا نتحدث عن اعتداءات متكررة تحفزها أبواق الإعلام وتستجيب لها جموع مُضللة وحاقدة ضد الأطباء.. قليل من الاتزان والعقل لن يضر العالم شيء.. أما السادة غير الشرفاء، لا أهل لهم ولا سهلا ولا يسر الله لهم ولا يسر عليهم! فلا أهمية للحديث والأفكار ما دامت عقولهم نائمة.. وما تدري؟؟ تمادى في الغيّ حتى تقضي على كل أسباب بقاءك حياً حتى إذا ما فرغت حلبة صراعك وظننت نفسك محارباً شجاعاً ستواجه ما لا تعلم منتهاه لتدرك أنك لم تكن سوى مُساق حتى فيما توهّمت أنه دفاعاً عن نفسك وأهلك.