هل الدوافع النفسية هي من يحكم بالأرض؟

الأمر المزعج والصادم هو أن الأفكار ليست هي التي تقود البشرية كما هو الاعتقاد السائد لدى الجميع، في الحقيقة إن دوافع الإنسان على هذه الأرض كانت ولا زالت نفسية في الأساس، هذه الدوافع النفسية هي التي صاغت كل الحضارات، واخترعت جميع الأيدولوجيات التي عرفتها البشرية.

 

في الواقع إن كل الجرائم والآثام التي اُرتكبت والحروب التي اشتعلت على مر التاريخ كانت مرتبطة بطريقة أو بأخرى بمزيج من المشاعر الإنسانية التي يصعب في كثير من الأحيان فهمها أو تفكيكها إلى عواملها الأولية المضحك في الأمر أن الحالة النفسية للبشرية ككل لا تختلف كثيراً عن الحالة النفسية لأي فرد عادي، فهي تمر بحالات من العنجهية والغرور، كما تمر بحالات أخرى من الاكتئاب والخذلان، خطورة الأمر أن هذه الحالات النفسية في الأساس تعبر دائماً عن نفسها في صورة أفكار تقود في الغالب لنتائج كارثية، هذه الأفكار غالباً ما تنجح في استقطاب الناس لكونها مرتدية ثوب العقلانية والمنطق، بالرغم من أنها ليست سوى تجليات لمشاعر نفسية مستترة.

 

إنسان الكهف على جهله وقلة تحضره كان أكثر منا أخلاقية وسعادة، غاياته كانت واضحة دون فلسفة ودون تنظير، ونحن بكل ما اخترعناه نفشل في أن نحظى بربع الهدوء والسعادة التي حازها أسلافنا

العلمانية مثلاً يمكن تداولها باعتبارها فكرة أنتجتها عقول واعية، لكن أخذها في سياقها التاريخي يفضي بنا لاعتبارها مجرد موقف نفسي لا واعي تجاه طغيان الكنيسة، وليست فكرة عقلية مجردة بل تحمل معها الكثير من الحمولات النفسية والتاريخية التي لا يمكن تجاهلها بأي حال. 

 

حركة الاستعمار الأوروبية التي استعبدت شعوب الأرض كانت تقدم نفسها باعتبارها موجة حضارية جديدة تسعى لجلب الحداثة والتطور لبقاع العالم المتخلف، بالرغم من أنها في حقيقتها جاءت كنتيجة حتمية لحالة نفسية أخرى نشأت في فترة الاكتشافات العلمية الضخمة والثورة الصناعية التي ولًّدت في الإنسان الأوروبي حالة استعلائية جعلته ينظر للآخر بعين الدونية والاحتقار.. للحد الذي يسلب فيه من هذا الآخر حريته ويفرض عليه كل أشكال الهيمنة الفكرية والوصاية الجبرية بحجة أنه جاهل ومتخلف.

 

الحرب العالمية بنسختيها الأولى والثانية كانت تجلي محض للأوهام النفسية التي تملكت قادة العالم آنذاك. ثم إن الخاسر الأكبر في تلك الحروب كانت هي الأفكار القومية بكل ما تحمله من "أحلام جماعية طوباوية"، تسبب ذلك في حالة الخذلان عمت البشرية منتصرين ومنهزمين على السواء، حتى أولئك الذين لم يدخلوا الحرب ولم يكونوا طرفاً فيها من الأساس لم يسلموا من الخذلان، تلك هي أسوأ أنواع الحروب التي ينهزم فيها المرء حتى دون أن يكون طرفاً فيها، كل تلك الخيبات التي طبعتها الحرب في قلوب البشرية جعلت من الجميع يتمترس في حصون الذات، ويتراجع إلى المنطقة الآمنة الوحيدة التي يعتقد أنها تبقت لديه.. إلا أن ذلك لم يغير شيء في النهاية، فقد انتقلت تلك الحروب والمآسي من العالم الخارجي إلى داخل ذواتنا، صار البشر أكثر أنانية وليبرالية، الكل صار يبحث عن خلاصه الفردي وليذهب العالم إلى الجحيم، لا أدري لكن يبدو لي أن كل لحظة تمر على هذا الكوكب البائس تزداد معها حالة التوهان الفكري والتيه الأخلاقي التي تعانيها البشرية، إنسان الكهف على جهله وقلة تحضره كان أكثر منا أخلاقية وسعادة، غاياته كانت واضحة دون فلسفة ودون تنظير، ونحن بكل ما اخترعناه من حضارة وبكل ما أنتجته عقولنا من فلسفات نفشل في أن نحظى بربع الهدوء والسعادة التي حازها أسلافنا قبل قرون..

              

اليوم وبعد أن مضى على الوجود البشري على هذه الأرض أكثر من سبعين ألف سنة، نستطيع بكل ثقة أن نقول إنه لم يتغير شيء يذكر، فالمشاعر ما زالت هي التي تحكم الأرض من خلف ستار الأفكار المدعاة.. أبونا آدم قطف التفاحة رغبة في الخلد والملك الذي لا يبلى، واليوم عشرات الرؤوس تُقطف رغبة أيضاً في الخلد والملك، قابيل القاتل بدافع الغيرة والحسد يبدو أنه قد مرر جيناته لعدد لا بأس به من البشرية التي ما زالت تقتل بدوافع نفسية مشابه، الرسوم القديمة على الجدران والحجارة لإنسان الكهف التي تؤرخ لدواره الميتافيزيقي الذي عانى منه لا تختلف كثيراً عن شاشات هواتفنا الذكية الي تؤرخ هي الأخرى لحالة اللا معنى والتوهان التي تعيشها البشرية اليوم.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة