هجوم نيوزيلندا.. دم المسلم في الميزان الغربي

أثبتت الأحداث المتلاحقة أن دم المسلم المهراق في بلاد العرب والغرب لا يعني كبير شيء في الدوائر السياسية والإعلامية والحقوقية في عالم الغرب المتغنّي بالحرية والقيم الإنسانية التي تمنع الظلم وتُعلي قيّم العدل، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضية ذات علاقة بالإنسان المسلم كفرد، أو المسلمين كجماعة مواطنة في الدولة المدنية الحديثة، ويتضح ذلك حين نرى مستوى التقييد الإجرائي للمسلمين في الفضاءات الغربية بقوانين ونظم ظالمة تحدّ من ممارسة العبادة والشعائر خلافا للمعاملة التي يتلقاها معتنقو الديانات الأخرى.

وأمام هذه الخطيئة الكبرى أصبح المسلم وكأنه إنسان من الدرجة الثانية لا يستحق التساوي في الحقوق مع إنسان الديانات الأخرى أو من لا يعتنق ديانة ولا يدين بمعتقد. وتتكرر هذه الصورة الموغلة في الظلم والتمييز عند كل مناسبة يتعرض فيها المسلمون لإهانة أو تضييق أو قتل سواء في الشرق -مكان انتشارهم- أو في الغرب حيث الحضور الطاغي للديانات الأخرى.

كان رؤساء وزعماء الغرب منسجمون مع قناعتهم الراسخة في أن "دم المسلم" لا يزن في مخيلاتهم جناح بعوضة، حيث ضنوا على الضحايا حتى ببيانات التعاطف "الخاوية"

ومن أحدث هذه الصور وأكثرها إيلاما ما انتشر في الأسبوع الماضي عبر الفيديوهات والصور عن الهجوم الإرهابي التي شنه عنصريٌّ بغيض على مسلمين كانوا يؤدون الصلاة في مسجديْن بنيوزيلندا. وبالمقارنة مع هذا الحادث الأليم، وبالنظر مع التفاعل الغربي المندد بهذا الهجوم -خصوصا على مستوى الحكومات والمنظمات الدولية-، نجد أنه لا يرقى إلى مستوى التضامن والاهتمام الذي حظيت به عمليات إرهابية كان المستهدفون فيها غير مسلمين، وهجمات "شارلي إيبدو" التي حصلت في يناير 2015 بفرنسا شاهدة على ذلك، حيث عرفت تضامنا من حكومات عديدة، وقادة من مختلف دول العالم، فضلا عن الداخل الفرنسي، حيث تم القيام بـ"مسيرات جمهورية" في فرنسا مدعومة بمسيرات أخرى في مختلف مدن العالم، وقد شارك في مسيرة باريس التي بلغ عدد المشاركين فيها ما يزيد على مليونيْ مشارك؛ حوالي 50 من قادة دول العالم -من بينهم قادة عرب ومسلمون-.

كما عرفت الحادثة حضورا واسعا في الإعلام الدولي وتم وصف المنفذيْن للعملية بـ"الإرهابيين"، -وهم كذلك- في حين تجاهلت بعض وسائل الإعلام الدولي هجوم نيوزيلندا الأخير، وغطّته أخرى على استحياء واختارت أوصافا من قبيل "المتطرف" لإطلاقها على المجرم المنفذ للهجوم، تحاشيا لوصفه بـ "الإرهابي". وغني عن القول إني أعتبر الهجومين (شارلي إيبدو، حادثة مسجديْ نيوزيلندا) إرهابيين ويستوي عندي الدم المسفوك بغير حق، سواء سفكته داعش أو القاعدة اللتين تمثلان في نظر الغرب؛ المسلمين، أو سفكه متطرف يهودي أو مسيحي، أو عنصري أبيض منتصر لقومه وحضارته في وجه الجاليات المسلمة في البلدان الغربية.

ولولا الوجه الإنساني الجميل الذي أبدته رئيسة وزراء نيوزيلندا "جاسيندا أرديرن"، لطويت الحادثة من أول يوم، وعاش مسلمو هذا البلد القصي الحزن والألم بصمت، لكن عظيمة نيوزيلندا أبانت عن مستوى من التفهم والانفتاح على تعدد الديانات والثقافات في بلدها، أبهر العالم وقلوب وشعوب المسلمين على وجه الخصوص، وأدهشت الجميع حين قالت عن مسلمي بلدها "نيوزيلندا وطنهم.. وهم نحن"، ولم يكن الشعب النيوزيلندي بمعزل عن القيم الرفيعة التي عبرت عنها "جاسيندا" فكان إلى جانب ذوي الضحايا نصرا ومؤازرة وتعاطفا.

إن الروح الإنسانية للشعب النيوزيلندي ورئيسة وزرائه التي رأينا مظاهرها واضحة من خلال حملة التضامن فضحت قادة العالم وكشفت زيف ادعاء الإنسانية التي يتدثر به هؤلاء، ولم يكن صادقا في مشاعره وفلسفته العنصرية سوى "ترامب" الأرعن، الذي رفض استخدام كلمة "إرهاب" خلال حديثه عن الحادثة ومنفذها المجرم.

وكان رؤساء وزعماء الغرب منسجمون مع قناعتهم الراسخة في أن "دم المسلم" لا يزن في مخيلاتهم جناح بعوضة، حيث ضنوا على الضحايا حتى ببيانات التعاطف "الخاوية"، ولم نتوقع أن يكلف أحدا منهم نفسه عناء السفر إلى نيوزيلندا للتعبير عن التضامن وتقاسم الحزن والأسى مع ذوي الضحايا المكلومين. ولا تنطبق حالة الزعماء المؤسفة مع شعوبهم حيث شاهدنا أحرارا في دول غربية عديدة عبروا عن تضامنهم مع ضحايا العملية الإرهابية.

أما حكام العرب والمسلمون فلم يكونوا أحسن حالا من أسيادهم الممسكين بزمام الأمور على الضفة الأخرى، في التفاعل مع العملية الإرهابية وتسجيل مواقف مشرّفة منها، فما عدا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان؛ لم نسمع همسا لأي حاكم عربي أو مسلم؛ فالطيب أردوغان -وإن كان لا يملك فعلا مؤثرا- في ظل ميزان القوى الدولي، إلا أنه تعاطى مع القضية في لحظاتها الأولى بإرسال وفد رفيع المستوى ضم نائب رئيس الجمهورية ووزير الخارجية إلى نيوزيلندا، للوقوف مع ذوي الضحايا، وقامت تركيا بحملة سياسية وإعلامية قوية ضد الاعتداء على المسلمين في الدول الغربية من طرف قوى اليمين المتطرف. وعلى امتداد الخريطة الإسلامية لم يعبر زعيم عربي أو مسلم آخر عن موقف تجاه المجزرة، بل إن قادة عرب يغذّون وبشكل كبير خطاب اليمين المتطرف ضد الجاليات المسلمة في الغرب؛ أما رأيتم تحذيرات ابن زايد والسيسي المتكررة من انتشار المساجد في الغرب، واعتبارهم أن الإسلام يشكل خطرا على أوروبا.

شعبيا، بدا التفاعل مع المجزرة في عالمنا الإسلامي ضعيفا وباهتا إذا استثنينا "التعاطف البارد" الذي ضجّت به مواقع التواصل الاجتماعي في اللحظات الأولى عقب الحادثة، مع أني لا أنكر تأثيره، فجماهير المسلمين لا تملك اليوم وسيلة للتعبير أسرع وأكثر تأثيرا من الإنترنت "ثروة الفقراء" كما يسميها د. محمد المختار الشنقيطي. وأدرك أن أمة مثقلة بالجراح -كأمتنا- من الصعب عليها أن تتذكر جروحا نازفة في الأطراف، لكن ما كان لجرح بجسامة جرح النيوزيلنديين أن يُتغاضى عنه أو ينسى!



حول هذه القصة

بينما تدعي الولايات المتحدة المحاربة في سبيل الديمقراطية، وبينما تأخذ خارجيتها على عاتقها مهمة تقييم حقوق الإنسان، يعلن مجرم إرهابي مثل برينتون تارانت إعجابه بالرئيس الأمريكي واعتباره ملهما له!

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة