دروس ما بعد الربيع العربي

أعتقد بأن السنوات التي مضت منذ اشتعال الشرارة الأولى من الانتفاضات العربية والتي سميت بالربيع العربي، أعتقد أنها سنوات للوقوف عن مالات هذه الانتفاضات استخلاصا للدروس العميقة التي تلتها. لا يمكن من وجهتي نظري أن نصف هذه الهبات الشعبية والانتفاضات بالثورة لعدة أسباب أهما أن الثورات في تصوري لا يمكن أن تكون نتيجة حماس لحظي أو طفرة شعبية ساقتها ظروف الغالب عليها الارتجالية وردود أفعال.

 

الثورة هي بناء تراكمي مؤسس على نظر عقلي قاصد وإرادة في تغيير واقع الاستبداد المعاش، إرادة مصممة مصحوبة ببدائل عقلية وعلمية تستمد منهجيتها من غاية الثورة وغائية الثائر، وهذا ما لم يتوفر في انتفاضات الربيع العربي. غياب هذا البناء التراكمي وهذه البديل العقلي والعملي المتوافق، والهوة الشاسعة التي كانت الشعب المفقر المنتفض على الواقع البئيس وبين النخب السياسية، وغياب الوعي بخطورة مرحلة ما بعد هذه الانتفاضة، إضافة إلى التآمر الخارجي المخطط له من الكيان الصهيوني وعصاباته في البيت الأبيض.

 

إن أي ثورة لا تنبني على الوعي الكامل والمعرفية العميقة بالعدو الحقيقي والتكتل والتكاتف سيكون مآلها الفشل والتراجع والنكوص عن أهداف الثورة ومراميها

كانت النتيجة كارثية بكل مقاييس، تراجعات وانتكاسات وارتكاسات و"ثورات مضادة " كانت أكثر وضوحا في مصر بعد انقلاب العسكر المصري المدعوم بالدولار الخليجي، وكانت أقل وضوحا أو لنقل ثورات مضادة متوارية في تونس وليبيا، في الوقت الذي أريد للجرح السوري واليمني أن يبقى نازفا ليبقى فزاعة لكل شعب عربي سولت له نفسه أن يثور وينتفض في وجه الظلم والاستبداد والحكم الفردي. نذكر بهذه الأحداث التي واكبت انتفاضات الربيع العربي وتلته ونحن نشهد موجات ارتدادية لهذا الربيع المبارك، السودان تتحرك والجزائر تلتحق بالركب بعد عقود طويلة من الخمود والركون تحت سلطة الحكم العسكري في كلا القطرين.

 

الانتفاضتين المباركتين في السودان والجزائر تدللان على عدة مؤشرات تعتبر القاسم المشترك الذي تتسم به المنظومة السياسية العربية عموما، يمكن حصر هذه المؤشرات في ثلاثة مؤشرات رئيسية: أولها أن الأنظمة العربية مجتمعة على اختلاف مرجعيتها في الحكم ـ جمهوريات ملكيات … ـ وعلى اختلاف مرجعياتها السياسية ـ دينية، علمانية، يسارية، يمينية… ـ قد أتبتث فشلها الذريع وأعلنته للعيان وصرحت به وأكدت فشل مخططاتها الاستراتيجية التنموية والإصلاحية على مختلف الأصعدة، أضف إلى ذلك إعلان هذه الأنظمة عن عمالتها الصريحة للعدو الخارجي للأمة والتحالف والتطبيع العلني معه.

 

المؤشر الثاني الذي تدلل عليه الهبتين في السودان والجزائر وفي غيرهما من المناطق على امتداد الوطن العربي والإسلامي، يتمثل في أن الشعوب قد فقدت الثقة تماما في هذه الأنظمة وفي أنماط التغيير والإصلاح التي روجت لها على امتداد عقود من الدكتاتورية والاستبداد، وبقي الشارع هو الباب الوحيد للتعبير عن رفض السياسات القائمة والدعوة لإسقاطها.

 

المؤشر الثالث يتجلى في فشل النخب السياسية في مواكبة المواقف المتسارعة والمتقدمة للشعوب واصطفاف هذه النخب غالبا في خندق الاستبداد مما أحدث قطيعة بين هذه النخب باعتبارها هيئات وساطة بين النظام والشعب من جهة، وباعتبار أن هذه النخب كانت تلعب دور الموجه والمؤطر للحركات الشعبية. إن أهم درس يجب أن تتعلمه الشعوب العربية المنتفضة في السودان والجزائر وفي غيرها من الأقطار أن العدو الخارجي المدعوم والممول بأموال النفط الخليجي هو أكبر وأخطر من العدو الداخلي المتمثل في هذه الأنظمة المستبدة التي لا تعدو أن تكون اليد الطولى لهذا الاستكبار العالمي في المنطقة.

 

أكتب هذا المقال والعالم العربي يقف مذهولا أمام قرار الرئيس الأمريكي ترمب الاعتراف بهضبة الجولان المحتلة كأرض مشروعة للكيان الصهيوني، القرار لم يكن مفاجئا للكثيرين بقدر ما كان الموقف الرسمي المحتشم للنظام البعثي في دلالة الواضحة أن إقرار الإدارة الأمريكية بالجولان للكيان الغاصب هو ضريبة مباشرة فرضها الغرب على نظام بشار للإبقاء عليه في السلطة.

 

هذا الحدث وغيره يؤكد أن العدو الأول أمام نجاح الربيع العربي وما بعده من انتفاضات هو الاستكبار العالمي الداعم والمدعوم، الداعم للأنظمة الاستبدادية على طول الوطن العربي الإسلامي لكونها خادمة لمصالحه ومطامعه، والمدعوم بأموال هذه الأنظمة كضريبة للإبقاء عليها في كراسيها خالدة. إن أي ثورة لا تنبني على الوعي الكامل والمعرفية العميقة بالعدو الحقيقي والتكتل والتكاتف من أجل قطع الطريق عليه كي لا يفشل الثورة ويلتف عليها كما حدث في مصر وليبيا وتونس، إن ثورة لا تبنى على هذه الاعتبارات سيكون مآلها الفشل والتراجع والنكوص عن أهداف الثورة ومراميها.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة