هل تنتهي مهنة المهندس المعماري؟

blogs مهندس معماري

 

المدن تصنع الشعوب، لم يكن الأمر غير ذلك يوماً. في داخل كل مدينة رواية عن معارك صغيرة وأساطير وتواريخ لا تختصرها الأرقام وحدها، التاريخ لا يُكتب عند البداية، ولا ينتهي حين يُكتب. وكذلك المدن، وجدران الطوب والحجارة التي حبست المساحة في الداخل وأطلقت العنان لحرية المساحات في الخارج. المدن لا تبدأ في مكان ما ولا في وقت ما، ولا تنتهي حين تُهدم. بل ما يبقى منها من تراب أو حجارة أو حتى ذكرى، هي مدن قائمة بحد ذاتها، يُعاد كتابتها بأشكال مختلفة، وبرؤية مختلفة، وهنا يكمن جمال الأمر.

 

حين بدأت دراستي في الهندسة المعمارية، أدركت بأن الحجارة ملهمة حين نريد لها ذلك. كنت حين أدخل حيا جديداً أو مدينة جديدة، أحاول استنشاق رائحتها، لأن الألوان والأشكال قد تتشابه، لكن شئنا أم أبينا الجدران كالأجساد، لكل منها رائحة مختلفة، ثم أحاول ربط الحاسة الأكثر تعقيداً تلك بذاكرتي، قد أشتاق لمدينة، ولأن العالم وبرغم أن المساحات باتت أكثر ضيقاً من ذي قبل، بات أكثر بعداً، ولأن التكنولوجيا المتوافرة استبدلت الحجارة بصورة أو مقطع فيديو، لم يعد من السهل أن أجد حيزاً من الوقت لصنع ذاكرة.

 

نعم العمارة قد تنتهي كمهنة، كالحرفيات التي اندثرت تماماً، لكن المدن لن تنتهي، لذلك من المهم جداً، أن يتجه المعماري اليوم، نحو فهم أعمق للمدينة وإيجاد وسيلة لتحفيز الذاكرة المدينية

أحياناً أفكر ملياً بما أقوم. هل ستمنحني الهندسة المعمارية فرصة التلاعب بالهواء والفراغ كما يحلو لي؟ هل سأتمكن من رسم خط واحد في مدن قد لا تعني لي سوى زحمة بشر وإشارات سير؟ هل سينتهي بي الأمر خلف شاشة "لابتوب" انتظر ترجمة تصميم في صورة؟ وأضع "خربشات" على ورقة لن يراها "الزبون" يوماً، لأن ما يهمه في نهاية الأمر هو ما تمكنت من حبسه في الداخل، وماذا عن الأشكال المتكاثرة والمواد المتلألئة والألوان المتداخلة، والتشكيلات واللمسات الأخيرة؟ هل سينتهي بي المطاف أحاول عرض الهواء في المزاد العلني؟ ثم من قال بأن الأشكال تلك هي ما نهدف إليه كمعماريين أُجبرنا على الخوض في سوق الهواء والمساحات؟

 

من الجيد أن بعض الحرية متاح، وما هو غير متاح قابل للتعديل. لأن العمارة لا تُختصر برقم ومعادلة ومساحة وفراغ. المدن التي يصممها المعماري يُسقطها معماري آخر، وكذلك فإن العمارة لم تكن يوماً مجرد اختصاص جامعي وبطاقة نقابة، و"موقع اجتماعي" في بنية اجتماعية معقدة، فلننظر ملياً حولنا. المدن التي نقطنها، الجدران كلها تتشابه، قد نضفي عليها بعض الظلال والألوان وعناصر لا تبرير لوجودها، لكنها مع ذلك لا تختلف.

 

نحن كمعماريين نطارد الاختلاف ونمضي حياتنا محاولين إثبات تمايز تصميم ما هو بقايا تصميم آخر. والمدن تتكوّن من جديد بغض النظر عمن قام بتصميم ماذا. فهل سينتهي بي المطاف أطارد ما أملك أصلاً؟؟ كالقط الذي يلاحق ذيله، وحين يلتقطه بأنيابه يدرك بأن الألم هو الحد الفاصل بين الجنون والمنطق؟ عالم اليوم هو علب من الباطون، في حين كان علباً من الحجر. عالم الغد قد يضيق أكثر وقد تنفتح المساحات الداخلية على الخارج، وهذا ما يفسر تكاثر وحدات التعايش المشترك، وتعاظم المساحات المشتركة والبحث عن مساحات مفتوحة وحوارات لا تنتهي.

 

إنسان اليوم يبحث عن الخصوصية وتعزير "الأنا" داخل مساحة ابتاعها من تجار الهواء. لكن في الوقت عينه، تكنولوجيا الاتصالات اخترقت جدران "الأنا" الخاصة، وطرحت مساحة أوسع تتضمن العالم أجمع، ودون أن نشعر ما هو موجود افتراضياً تحوّل شيئاً فشيئاً إلى رغبة جماعية بالانفتاح نحو الآخر، بالتالي التوجه نحو مقاهي الأرصفة والمشاركة في المؤتمرات، أو مشاهدة فيلم أجنبي، بل مشاركة شريحة واسعة من المشاهدين حول العالم الفيلم أو المسلسل نفسه.

 

حركة العولمة تلك، بخطورتها التي ما زال يناقشها قاطنو علب الباطون، تمكّنت من قلب المعادلة وإدراج أكثر من نافذة في الحائط الواحد، لكن ما هو دور المعماري في خضمّ كل ذلك التطور السريع؟ حقيقة المعماري لا يواكب السرعة، بل هي تلك البرامج والتكنولوجيا المتطورة التي تترجم المساحات والقياسات برسم معماري دقيق، بل وتشكّل تصاميم ثلاثية الأبعاد. طلاب العمارة اليوم، يمضون معظم أوقاتهم خلف الشاشات يواكبون سرعة البرامج ويحاولون احترافها، حتى يأتي مخترع عظيم آخر ببرنامج أكثر تطوراً يلغي ما قبله. فهل تنتهي مع الوقت مهنة العمارة؟ وتصبح التصاميم كالرياضيات معادلة محلولة؟

 

النظر بعين المنطق لنمط ما يحصل يشير نحو استنتاج واحد. نعم العمارة قد تنتهي كمهنة، كالحرفيات التي اندثرت تماماً، لكن المدن لن تنتهي، لذلك من المهم جداً، أن يتجه المعماري اليوم، نحو فهم أعمق للمدينة وإيجاد وسيلة لتحفيز الذاكرة المدينية، عبر المشاركة في تحركات مجتمعية تتعدى حدود قوانين البناء والحسابات الدقيقة. من المهم أن نعرف، أن الحاجة لحبس الهواء هي حاجة مؤقتة، والأشكال قد تتبدل يوماً ما، لكن الذاكرة وحدها تبقى وهي تلك التي تحتوي على أكثر من علب باطون ومساحات خضراء. فهل يكون لمعماريي المستقبل دور في صياغة ذلك؟ أم تنتهي العمارة كمهنة مع بداية استبدال الفكرة والذاكرة، بوحدات تخزين معلومات وصورة؟