وهم الحرية.. هل تجعلنا الرأسمالية عبيدا؟

BLOGS العبودية

ترتبط قصة العبودية في التاريخ البشري ارتباطا وثيقا بحركة الإنتاج وتوزيع الثروات مما يجعلها في نظر بعض الباحثين "حتمية تاريخية" فرضتها السياقات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمعات البدائية التي كانت تفتقر إلى الميكنة الآلية، وبالتالي خضعت حركة الإنتاج في هذه المجتمعات إلى القوة العضلية التي وفرتها الأعداد الهائلة من العبيد. حسب هذا الطرح تمر حركة التاريخ بمراحل حتمية تبدأ بمشاعية الثروات الطبيعية ثم الدخول في مرحلة إقطاعية تليها حقبة رأسمالية تتبعها مرحلة يتم فيها التشارك في الثروات بشكل عادل ومحقق.

نظرة تاريخية

كثيرا ما يتم  التلاسن التاريخي والديني عن العبودية وأحكام الاسترقاق بين الأمم وتتبارى كل أمة في تخطئة أختها وتحميلها أوزار الجريمة كاملة في محاولة للتطهر وغسل اليد من هذا الميراث الدموي واللإنساني، والحقيقة أن هذا الميراث الضاغط على ضمير الإنسانية في العصر الحديث هو ميراث بشري عام لم تتفرد به أمه دون أمة ولا طبقة دون طبقة، لكل من الأمم نصيبه من هذه التركة التاريخية المؤلمة بلا تفريق. ففي الهند القديمة مثلا وصفت طبقة العبيد تحت دعاوى دينية ربما لا زالت قائمة إلى الآن بالملاعين الأنجاس وكان الاقتراب منهم يعد نجاسة يجب التطهر منها. 

الذي حرر العبيد هو الثورة الصناعية في أوروبا بشكل غير مباشر وتدريجي، لأنها استبدلت الإنسان بالماكينة في كل نواحي الحياة فتم توفير الألاف من الأيدي العاملة بشكل آلي فأضحت هذه الجموع عالة وعبء على سادتهم

في روما القديمة استخدم العبيد كوقود عضلي للمعارك، وأجبروا على تقديم فقرات قتال دموية مع بعضهم البعض ومع الحيوانات المفترسة من أجل التسلية في الساحات العامة برعاية الإمبراطوريات الحاكمة نفسها. أما الفلسفة اليونانية في مجملها فقد  ظلمت العبيد، ربما لأن الإمبراطوريات اليونانية القديمة كانت ذات طبيعة عسكرية تراتبية، والأضرار فيها بهذه المنظومة شديدة الطبقية كان كافيا لتقويض الدولة من وجهة نظر هؤلاء الفلاسفة وفي مقدمتهم أفلاطون الذي ذهب إلى اعتبار العبيد أشخاصا غير مؤهلين لأن يصبحوا مواطنين كاملي المواطنة، وأن واجبهم في الحياة هو الخضوع التام والغير مشروط لسادتهم.

أما أرسطو تلميذه فقد ذهب إلى فلسفة الأمر بالتفريق بين الجهد العضلي الخاص بالعبيد والتأمل الذهني الذي يمارسه الأحرار، وعليه يبني نظريته القائلة إن هناك من خلق للعمل العضلي وهو أدنى درجة من خلق للتأمل، ويذهب إلى أكثر من ذلك إذ يعتبر العبودية مشيئة إلهية وأن العبد خلق ليكون مجرد آلة لها روح ووجوده ضروري وهام لبقاء ولبناء الدول.. النقطة المضيئة في هذه الفلسفة المخاتلة أن أرسطو تنبأ بانتهاء العبودية حين تصنع الإنسانية آلات تحل محل العبيد في العمل وهو ما تحقق بعد قرون بالفعل.

أما في الإسلام فقد تعاملت النصوص الأصلية المؤسسة (القرآن والسنة) بواقعية شديدة مع هذه الطبقة فلم تدعو إلى تحريرهم بشكل فوري وواضح وصريح وقطعي الدلالة ربما لعدم الاصطدام مع الأنساق الاجتماعية والتجارية في ذلك التوقيت، لكن في الوقت عينه دعت هذه النصوص المؤسسة إلى التعامل برحمة وعطف وأخوية مع هذه الفئة وجعلت من أنواع الكفارات تحرير العبد وفك الرقبة.

لكن الأزمة الحقيقية في تاريخ العبودية داخل المجتمعات الإسلامية يعود مرجعه إلى النصوص الشارحة للنص المؤسس بعد ذلك، فقد جنح الميراث الفقهي الإسلامي نحو تشيئ العبد وإخراجه من دائرة الإنسانية، ووضعت نصوص وأحكام غاية في الغرابة لا تدع تفصيله صغيرة ولا كبيرة من حياة العبد إلا أحصتها وقيدتها لصالح روزنامة القمع.

هذا على المستوى النظري أما على المستوى العملي فكان العبيد يسامون سوء العذاب ولا سيما في العصر العباسي الثاني الذي بلغ الاضطهاد مبلغه مما دفع العبيد الذين يعملون بتجفيف مستنقعات العراق وأسباخه في ظروف مناخية وبيئية وقمعية شديدة القسوة إلى الثورة على سلطة الخلافة فيما عرف بثورة الزنج التي استمرت زهاء عشرون عاما أزهقت فيها عشرات الألاف من الأرواح من الطرفين. أما في أوروبا في العصور الوسطى وحتى مطالع عصر النهضة كان السيد الإقطاعي له الحق في فعل ما يشاء بالعبيد في إقطاعيته بلا قيد ولا شرط مدفوعا برؤية كنسية تبنت آراء أرسطو بوصف العبد مجرد آلة حية مملوكة لصاحبها.

لكن يظل النموذج الأشد قذارة ووضاعة في التاريخ الإنساني هو ما فعله الأمريكان الأوائل من خطف ملايين الأحرار السود من السواحل الغربية الإفريقية وشحنهم كالحيوانات في بطون السفن إلى الجحيم بعينه إلى المستعمرات الجديدة، التي واجه فيها هؤلاء المختطفون ما لا يمكن تخيله من فظاعات وعذابات لن يستطيع الغرب غسل يده منها وستظل تلاحق الضمير الغربي هذا في حالة صحوه إن صحا إلى أبد الآبدين. في بداية القرن الثامن عشر بدأت المطالبات تتزايد بتحرير العبيد بشكل عام وقاطع وفوري واتخذت من جراء ذلك عدة قرارات بهذا الشأن.. بل وخيضت من أجل هذه المسألة الحروب مثل حرب الشمال والجنوب في أمريكا الشمالية. لكن السؤال المهم في هذا السياق، هل حررت هذه الدعوات والمناشدات والحروب العبيد؟

تحرير العبيد
الإمبريالية هي أعلى مراحل العبودية المقنعة فإذا كانت الرأسمالية تستعبد الأفراد فإن الإمبريالية العالمية المتقنعة بقناع الشركات الكونية تظل مهمتها الوحيدة هي شفط ومص خيرات البلاد والشعوب

والحقيقة أنه لا هذه الدعوات ولا الإسلام ولا المسيحية ولا أي دين ولا دعوة طوباوية ولا حركة مسلحة حررت العبيد بشكل مطلق، الذي حرر العبيد هو الثورة الصناعية في أوروبا بشكل غير مباشر وتدريجي، لأنها استبدلت الإنسان بالماكينة في كل نواحي الحياة فتم توفير الألاف من الأيدي العاملة بشكل آلي فأضحت هذه الجموع عالة وعبء على سادتهم المالكين وبالتالي تم الاستغناء عن مئات الألاف من العبيد وتحول المجتمع من الشكل الإقطاعي إلى الشكل الرأسمالي الذي استبدل طبقة العبيد وأحل محلها  طبقة العمال والموظفين. 

 

الرأسمالية عبودية الأجر

الحقيقة أن الرأسمالية استبدلت العبيد بطبقة العمال والموظفين الذين تستهلك أعمارهم في العمل لسنوات طويلة من أجل إثراء فرد واحد أو عدة أفراد دون أدنى مشاركة فعلية ملموسة في الربحية. هذه الجموع المستبدلة والمستعبدة دون أن تدري يظل همها الأكبر هو تأمين المعاش اليومي والاحتياجات الأساسية لها ولأبنائها، هذه الحالة تحديدا وصفت من قبل عدة مفكرين ككارل ماركس قديما ونعوم تشومسكي حديثا بعبودية الأجر التي تعد عبودية مقنعة، عبودية ناعمة يظل الفرد أسيرا لها دون أن يدرك أنه باع أقدس ما يملك عمره وصحته ومواهبه من أجل سد حاجاته الأساسية وإثراء فرد آخر.

في هذا السياق أيضا تصبح الإمبريالية هي أعلى مراحل العبودية المقنعة فإذا كانت الرأسمالية تستعبد الأفراد فإن الإمبريالية العالمية المتقنعة بقناع الشركات الكونية العملاقة المتعددة الأنشطة بشكل انشطاري يصعب تحديده تظل مهمتها الوحيدة هي شفط ومص خيرات ومقدرات البلاد والشعوب بمباركة عملائها المحليين في هذه البلدان.

اشتراكية تلقائية

وإذا كانت الرأسمالية هي عبودية مقنعة أشد خطرا من العبودية المباشرة فإن تفكيك ومحاصرة الخطاب الرأسمالي على المستوى النظري، وتفكيك الآليات والحيثيات والوسائل الجشعة التي تعتمد عليها الرأسمالية يصبح ضرورة ملحة، وكذلك  فضح الأنماط الاستهلاكية الزائفة التي تعمد إلى تسليع ما لا قيمة له عبر الترويج لها عن طريق الوسائط الإعلانية والتي تستخدمها القوى الرأسمالية في سلب مدخرات ومقدرات الناس في شراء سلع يستطيع الإنسان الاستغناء عنها تماما، هنا يصبح هذا الجهد التفكيكي ملحا لتحرير الملايين من الناس من نير العبودية الجديدة.. وبهذا الجهد التفكيكي ينتقل المجتمع إلى اشتراكية تلقائية تتلافى عيوب التجارب الاشتراكية السابقة عن طريق افهام الناس وإشراكهم في النضال المعرفي الرامي إلى تقويض الهيمنة الرأسمالية، هذه المشاركة تضمن شيئان أولهما عدم الاستبداد التي وصمت به التجارب الاشتراكية السابقة والذي كان مصوغه جهل الجماهير، وتضمن أيضا أن تتم حالة المحاصرة على مهل كي يصبح هذا الانتقال ضرورة ملحة وليس قفزا على واقع الشعوب كما حدث في الماضي.