من ضيع الجولان السوري؟

blogs الجولان

يتتبع المراقبون والمختصون بشؤون الشرق الأوسط الاعلان الرسمي من الإدارة الأمريكية باعترافها بسيادة دولة الكيان الصهيوني على أراضي الجولان السوري، الغريب في الأمر من خلال متابعتي لتحليلاتهم قاموا بتقديم تفسيرات عديدة، حول أسباب إعلان الرئيس الأمريكي من خلال تغريدة أنه بعد 52 عام أن الأوان للولايات المتحدة أن تعترف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان، وهذا ضمانا لأمن إسرائيل واستقرار المنطقة.

  

هناك من ربطها مباشرة بصفقة القرن وأن هذا هو الجزء السوري المتعلق بالصفقة، في حين ربطها أخرون بدعم إدارة دونالد ترامب لبنيامين نتنياهو في الانتخابات التشريعية ليوم 9 أبريل 2019، وهو الذي يشهد منافسة شديدة ليس فقط من حزب العمل اليساري، وإنما من تكتل أحزاب مناعة إسرائيل ويش عتيد وحركة تيلم وهي أحزاب يرأسها جنرالات وشخصيات عسكرية جاذبة لأصوات اليمينيين والذي يعتبرون الوعاء الانتخابي المستهدف من حزب الليكود الذي يرأسه بنيامين نتنياهو.

  

وأخيرا أغلب المحللين ذهبوا إلى إشكالية التواجد الايراني سواء بالميليشيات التابعة له كحزب الله أو أنظمة الدفاع الجوي التي قامت إيران بتثبيتها في الجنوب السوري، فخلال زيارة كاتب الدولة للشؤون الخارجية الامريكي مايك بومبيو لإسرائيل أكد على ضرورة دعم الوجود العسكري الاسرائيلي في الجولان المحتل لمواجهة التواجد الايراني خاصة في جنوب سوريا، مع قوله لولا التموقع العسكري الاسرائيلي في الجولان لكانت ايران اليوم في طبرية. في رأينا المتواضع كل هذه التفسيرات صحيحة وكل التحليلات المتأتية منها موضوعية، ولكن لا نسيه المحللون هو ضرورة العودة لأصل الأحداث من معرفة من هو المتسبب الحقيقي في ضياع الجولان السوري؟

 

الأنظمة العربية والتي لم تكتسب الشرعية في نظر شعوبها تختلف في رؤيتها وأهدافها على الأنظمة الديموقراطية، فهدفها هو البقاء في السلطة وإرضاء القوى التي تساعدها في ذلك

من خلال مسح تاريخي بسيط سوف نكتشف أن الجولان لم تكن جزءا من سوريا وإنما جزءا من فلسطين، فقد كانت جزءا من حدود فلسطين الخاضعة للانتداب البريطاني، تنازلت لفرنسا عنها من خلال اتفاق ثنائي في 7 مارس 1923، وبالتالي قامت فرنسا بضمها إلى مناطق الانتداب الفرنسي لسوريا، وبالتالي أصبح جزءا من سوريا، وبقيت تحت السيادة السورية منذ نهاية الانتداب الفرنسي في 1944 إلى غاية خسارة حرب الست أيام أمام إسرائيل في جوان 1967، مباشرة بعد ذلك قام الكيان الصهيوني بغزو هضبة الجولان والاستيلاء عليها ووصل إلى غاية مدينة القنيطرة، وهذا بعدما ضمن نتائج الحرب مع كل من مصر والاردن، وبقي الوضع كما هو إلى غاية اندلاع حرب أكتوبر أين استردت سوريا أغلب الاراضي السورية المحتلة في بداية الأمر، قبل أن يواجه الجيش السوري هجوما مضادا عنيفا قضى على أغلب المكتسبات التي حضي بها في بداية الحرب، ولكن من خلال اتفاقية فك الاشتباك استطاعت سوريا الحصول على مساحة 60 كلم مربع واسترجاع مدينة القنيطرة.

 

ومن ذلك التاريخ وهضبة الجولان أصبحت محل نزاع بين سوريا واسرائيل وأصبحت أحد مطالب سوريا للموافقة على أي معاهدة سلام مع اسرائيل، أما من الجانب الاسرائيلي فابتداء من 14 ديسمبر 1981، أصبحت الجولان رسميا جزءا من السيادة الاسرائيلية فرض فيها القانون الاسرائيلي، وهذا رغم رفض مجلس الأمن لهذا القرار، ولكن نظرا للأهمية الاستراتيجية للجولان سواء من الناحية العسكرية من خلال مراقبة الجبهة الشمالية وتحركات المقاومة اللبنانية في الجنوب اللبناني أنذاك أو من الناحية الاقتصادية، فخزان المياه الموجود في الجولان كان يساوي أربع عشر في المائة من المخزون السوري، بالإضافة إلى أن الجولان تمثل مصدر ثلث مياه بحيرة طبرية والتي هي المصدر الاساسي للمياه لدولة إسرائيل.

  

ولكن في رأينا المنعرج الحاسم في تاريخ الصراع السوري الاسرائيلي على الأراضي المحتلة هو تاريخ 15 مارس 2011 وهو يوم الغضب السوري، والذي كان عبارة عن نداءات في الفايسبوك من نشطاء سياسيين وحقوقيين بتنظيم احتجاجات شعبية على اعتقال نشطاء داعمين لنشاطات نظرائهم في كل من تونس ومصر في إطار ما كان يعرف بثورات الربيع العربي، حركة احتجاجية قوبلت بالتعنيف رغم سلميتها، ورغم أن الرئيس بشار الأسد قام ببعض الاصلاحات والتي كان الهدف منها المناورة والمراوغة والالتفاف على المطالب الشعبية لتجنيس الأكراد الذين كانوا في وضعية غير قانونية في محافظة الحسكة ورفع حالة الطوارئ، ولكن هذا كله لم يقنع المتظاهرين المطالبين لرحيل بشار الأسد والجماعة الحاكمة معه، بالإضافة إلى أن تعامل قوات الأمن مع المظاهرات لم يتغير وتواصل سقوط الشهداء في كل مظاهرة ترفع مطلب رحيل الأسد.

 

ولأن الأسد هو رئيس بالمعايير الديموقراطية غير شرعي، فهو لم يأتي وفق الأعراف الديموقراطية من حزب ينافس على السلطة وإنما من حزب يسيطر على السلطة، ولم يأتي بأصوات الناخبين وإنما على ضهر النظام الشمولي الذي ورثه من أبيه الراحل حافظ الأسد المسيطر على الدولة، وإضافة إلى كل ذلك فهو نظام قائم على أسس طائفية عنصرية، يحس فيه أغلب السوريين أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، وأمام موجة الاحتجاجات وتطورها إلى حرب أهلية هدف المعارضة منها هو إسقاط كل النظام وهذا خطأ أيضا فسقوط النظام والشغور المؤسساتي سوف يقود إلى الفوضى، وهدف الموالاة منها هو الحفاظ عليه وكل طرف من الموالاة له أهدافه وأسبابه التي جعلته يقف وراء الأسد سواء طائفية أو خوفا من المحاسبة أو ذهاب المصالح التي كانت متوفرة بوجود النظام.

 

ولأن غالبية الشعب السوري أصبحت تؤيد تنحية بشار الأسد، واحراز المعارضة لمكاسب ميدانية خاصة خلال المرحلة 2011 إلى 2014، فما كان على بشار الأسد سوى البحث على أسباب البقاء في الخارج، ولأن فرنسا والولايات المتحدة الامريكية أدارت ظهرها له خاصة بعد مجزرة الغوطة، لم يكن له سوى الاستنجاد بالحلفاء التقليديين لسوريا وهي ايران والذي أسس معها حلفا قويا كونه يرتكز على أسباب طائفية، وروسيا التي بدأت تتعافى من مرحلة ما بعد الحرب البادرة وأصبحت عسكريا واقتصاديا مستعدة لبدأ غمار حرب بادرة جديدة مع دول حلف الناتو، وهذا الحلف قائم على أهداف استراتيجية واقتصادية مشتركة فسوريا تعد شريكا اقتصاديا مهما خاصة في الصناعة العسكرية لروسيا، وبذلك قرر بشار الأسد الاستعانة بحلفاء من الخارج لمواجهة شعبه، وكسب شرعيته من الخارج لفقدانه لها في بلاده.

 

وهكذا بدأ سيناريو تمزيق السيادة السورية وبعد 8 سنوات من الحرب، فقدت السلطة السورية سيادتها على أغلب الأراضي السورية، إبتداء من الجنوب السوري والذي أصبح تحت سيطرة الميليشيات المدعومة من إيران وفرق الحرس الثوري الايراني، أو أجزاء من الشرق الذي أصبح تحت سيطرة القوات الكردية والمدعومة من الجيش الامريكي المتواجد بقوة بسوريا وبتعداد 2000 جندي هدفهم الظاهر الاشراف على حرب داعش في سوريا وباطنه السيطرة على المنابع والحقول البترولية خاصة في محافظة الحسكة وما حدث للجيش السوري وقوات فاغنر الروسية في معركة خشام عندما قامت القوات الامريكية بقصفها باستعمال الطيران والمدفعية الثقيلة وهذا لعزمها استعادة منطقة خشام البترولية من القوات الكردية لدليل على فقدان الجيش السوري لسيادته على أراضيه وممتلكاته وثوراته.

 

أما تركيا والجيش الحر وقوات سوريا الديموقراطية فيتصارعون على الجزء الشمالي من الأراضي السورية، ولا تستطيع السلطة السورية التوصل لاتفاق لتصفية وجود الميلشيات سواء المدعومة من تركيا أو الدول الخليجية أو المدعومة من إيران، ولا يمكنها اتخاذ قرار دون الرجوع إلى موسكو والتشاور مع طهران. وبالتالي فمن الطبيعي أن تعلن واشنطن على لسان رئيسها نيتها الاعتراف بالسيادة الاسرائيلية على الجولان، كونها تعرف أن لن يكون لهذا القرار أي تداعيات من شأنها توقيفه وأن الرد السوري لن يكون أكبر من التنديد بالقرار، وأن كل من تل أبيب وواشنطن متيقنة أن نظام بشار الأسد حاليا لا يهمه سوى البقاء في السلطة في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية، وأنه مستعد لتقديم التنازلات تلو التنازلات لبقائه على رأس هرم السطلة في سوريا.

   

الأنظمة العربية والتي لم تكتسب الشرعية في نظر شعوبها تختلف في رؤيتها وأهدافها على الأنظمة الديموقراطية، فهدفها هو البقاء في السلطة وإرضاء القوى التي تساعدها في ذلك، حتى لو كان ذلك على حساب مستقبل شعوبها أو أمن بلادها الاقتصادي، أو حتى المساس بالسيادة الوطنية، لماذا ألم يكتشف الجزائريون أن رئيسهم الحالي قد مدد فترة إمداد فرنسا بالغاز والبترول مجانا فقد ليضمن بقاءه في السلطة، وكذلك هي عقلية أغلب الأنظمة العربية. وفي الأخير في رأيي أن من ضيع الجولان هو نفسه من ضيع الحسكة وهو نفسه من ضيع ادلب، وهو نفسه من دمر سوريا ومستقبلها وسيادتها، مقابل حصوله على دعم القوى العالمية لكي يبقى مترأسا على شعب لا يريده.