هل مفهوم "الدولة" مخالفة للمنظور الإسلامي؟

ﻟﻘﺪ ﻧﺸﺄﺕ ﻓﻜﺮﺓ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺇﻧﻄﻼﻗﺎً ﻣﻦ ﺭﺅﻳﺔ ﻓﻠﺴﻔﻴﺔ ﻭﻣﻌﺮﻓﻴﺔ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ ﻧﻔﺴﻪ؛ ﺣﻴﺚ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺇﺑﻌﺎﺩ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻣﻦ ﻧﺸﺄﺕ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺃﺻﻼً؛ ﻓﻜﻞ ﻧﻘﺎﺵ ﻋﻦ ﻓﻜﺮﺓ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻫﻮ ﺑﺎﻷﺣﺮﻯ ﻧﻘﺎﺵ ﻋﻦ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ. ﻭﻗﺪ ﻋﺎﻧﺖ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﻣﺘﺨﺒﻄﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺎﺕ ﻭﺍﻟﺘﺼﻮﺭﺍﺕ ﻣﺤﺎﻭﻟﺔ ﺇﻧﺘﺸﺎﻝ ﺫﺍﺗﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﺮﻭﺏ ﻭﺍﻹﻗﺘﺘﺎﻝ ﻓﻜﺎﻧﺖ ﻓﻜﺮﺓ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻣﺤﺎﻭﻟﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺒﺸﺮ ﻹﺣﺘﻮﺍﺀ ﺍﻟﺼﺮﺍﻉ ﺍﻟﻌﺒﺜﻲ ﻭﺍﺟﺘﻬﺎﺩ ﻹﻳﺠﺎﺩ ﺻﻴﻎ ﺗﻨﺒﻊ ﻣﻦ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻧﻔﺴﻪ ﻟﺤﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻌﻀﻼﺕ.
    
ﺇﻥ ﺗﺮﻛﻴﺒﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺍﻟﻤﻌﻘﺪﺓ ﻇﻠﺖ ﺗﻘﺎﻭﻡ ﻭﺗﺠﺘﻬﺪ ﺣﺘﻰ ﺍﺳﺘﻘﺮﺕ ﻟﻔﻜﺮﺓ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻭﻻ ﻧﺮﻳﺪ ﻫﻨﺎ ﺍﻟﺘﻌﻤّﻖ ﻓﻲ ﺗﻌﺮﻳﻒ ﻓﻜﺮﺓ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺑﻞ ﻧﺮﻳﺪ ﺃﻥ ﻧﻌﻜﺲ ﻣﻮﻗﻒ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻣﻨﻬﺎ ﻭﻫﻞ ﻧﺸﺄﺕ ﻓﻜﺮﺓ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺑﻔﻜﺎﻙ ﻋﻦ ﺍﻷﺩﻳﺎﻥ ﻓﻀﻼً ﻋﻦ ﺍﻟﻔﻜﺎﻙ ﻋﻦ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻧﻔﺴﻪ؟. ﻭﻫﻞ ﻟﻺﺳﻼﻡ ﺩﻭﺭ ﺳﻴﺎﺳﻲ ﻳﻄﻤﺢ ﻟﻠﻘﻴﺎﻡ ﺑﻪ ﻓﻲ ﺣﻴﺎﺓ ﺍﻟﺒﺸﺮ؟ ﺃﻡ ﺃﻧﻪ ﺩﻳﻦ ﺭﻫﺒﺎﻧﻲ ﻣﻨﻌﺰﻝ ﻓﻲ ﺃﺻﻠﻪ ﻋﻦ ﺍﻟﺸﺄﻥ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ﺑﺈﻋﺘﺒﺎﺭﻩ ﺷﺄﻧﺎً ﺩﻧﻴﻮﻳﺎً؟ ﻭﻫﻞ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﻘﻮﻡ ﻓﻌﻼً ﺩﻭﻟﺔ بمنئاً ﻋﻦ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺑﻐﺾ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻋﻦ ﻣﺴﻤّﺎﻫﺎ؟ ﻧﺤﺎﻭﻝ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻘﺎﻝ ﺃﻥ ﻧﻀﻊ ﻣﻼﻣﺢ ﻭﺇﺷﺎﺭﺍﺕ ﻧﻌﺘﺒﺮﻫﺎ ﻣﺪﺧﻼً ﻟﻺﺟﺎﺑﺔ ﻋﻦ ﺗﻠﻚ ﺍﻷﺳﺌﻠﺔ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮﻳّﺔ ﻓﻲ ﺷﺄﻥ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ؛ ﻭﺍﺭﺗﺒﺎﻁ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻘﺎﻝ ﺳﻴﻜﻮﻥ ﺃﻗﺮﺏ ﻟﻄﺎﺑﻊ ﺍﻟﺘﻨﻈﻴﺮ ﺍﻟﻔﻜﺮﻱ ﻭﻟﻴﺲ ﺧﻄﺔ ﻋﻤﻠﻴّﺔ ﻣﺮﻫﻮﻧﺔ ﺑﺎﻷﺣﺪﺍﺙ.

   

ﺃﻭﻻً: ﺍﻟﻄﺎﺑﻊ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ﻓﻲ ﺍﻹﺳﻼﻡ:

ﻟﻘﺪ ﻧﺸﺄ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻭﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﻓﻲ ﺻﻤﻴﻢ ﺟﻮﻫﺮﻩ ﻭﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻭﺍﻓﺪﺍً ﻋﻠﻴﻪ؛ ﺑﻞ ﻟﻺﺳﻼﻡ ﻃﺎﺑﻊ ﺳﻴﺎﺳﻲ ﻻ ﺗﺨﻄﺌﻪ ﺑﺼﻴﺮﺓ ﺑﺸﺮﻳّﺔ ﺳﻠﻴﻤﺔ ﻭﻫﻮ ﺑﺬﻟﻚ ﻣﻨﻐﻤﺲ ﻓﻲ ﻓﻜﺮﻩ ﺑﺎﻟﺸﺄﻥ ﺍﻟﺪﻧﻴﻮﻱ ﻭﻟﻴﺲ ﻣﻨﻔﻜﺎً ﻋﻦ ﺣﻴﺎﺓ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻭﻣﺸﺎﻛﻠﻬﺎ؛ ﻓﺎﻹﺳﻼﻡ ﻟﻴﺲ ﻛﺎﻷﺩﻳﺎﻥ ﺍﻟﻤﺠﺮﺩﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﻧﻔﺮﺩﺕ ﺑﺎﻟﺮﻭﺡ ﻣﻌﺘﺰﻟﺔً ﻭﺍﻗﻊ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺑﺪﻋﻮﻯ ﺷﻴﻄﺎﻧﻴﺘﻬﺎ؛ ﻟﻜّﻦ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻳﻘﻮﻡ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﺮﻳّﺔ ﻭﺍﺭﺍﺩﺓ ﺍﻟﺒﺸﺮ ﻭﺍﻟﻨﺎﻇﺮ ﻟﻨﺺ ﺍﻟﻮﺣﻲ ﻳﺪﺭﻙ ﺫﻟﻚ ﺟﻠﻴّﺎ ﺧﺎﺻﺔ ﻓﻲ ﻗﺼﺺ ﺍﻟﺮﺳﻞ ﻣﻊ ﺃﻗﻮﺍﻣﻬﻢ ﻭﻛﻴﻒ ﻛﺎﻥ ﻳﺪﻭﺭ ﺍﻟﺤﻮﺍﺭ ﺑﻴﻨﻬﻢ ؛ ﻓﺎﻟﺮﺳﻞ ﻳﺒﻴّﻨﻮﻥ ﻟﻠﻨﺎﺱ فمنهم ﻣﻦ ﻳﺆﻣﻦ ﻭﻣﻨﻬﻢ ﻣﻦ ﻳﻜﻔﺮ ﻓﻴﻬﻠﻜﻪ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﻟﻴﺲ ﻟﻠﺮﺳﻞ ﻣﻬﻤﺔ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﺒﻼﻍ؛ ﻭﻟﻤّﺎ ﺟﺎﺀ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻣﺘﻤﻤﺎً ﻟﺴﻠﺴﻠﺔ ﺍﻷﻧﺒﻴﺎﺀ ﻛﺎﻥ ﻧﺺ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻭﺍﺿﺤﺎً ﻓﻲ ﺷﺄﻥ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﻭﺍﻹﺳﻼﻡ ﻟﻴﺲ ﻧﻈﺎﻣﺎً ﺳﻴﺎﺳﻴﺎً ﺟﺎﻫﺰﺍً ﺑﻞ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﻗﻴﻢ ﺍﻟﺮﺷﺪ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻌﺘﺒﺮﻫﺎ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﺃﺳﺴﺎً ﺟﻮﻫﺮﻳّﺔ ﻭﻣﺒﺪﺋﻴﺔ ﻟﻜﻞ ﻋﻤﻞٍ ﺳﻴﺎﺳﻲ ﻧﺎﺿﺞ.
     

النص الإسلامي مما لا يدع مجالاً للشك ثري ملئ بالقيم المؤسسة لكل نظام سياسي قويم، وإن الإسلام لهو أعظم من أن يضع للبشر بروتوكولات سياسية يسيرون بها بل هدفه أسمى من ذلك

ﻓﻘﺪ ﺗﺤﺪﺙ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻦ ﻗﻴﻢ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﻭﺍﻟﻤﺴﺎﻭﺍﺓ ﻭﺍﻟﺸﻮﺭﻯ ﻭﺍﻟﺤﺮﻳّﺔ ﻭﻛﺮﺍﻣﺔ ﺍﻟﺒﺸﺮ ﺭﻏﻢ ﺍﺧﺘﻼﻓﻬﻢ ﻓﻲ ﺍﻻﻟﻮﺍﻥ ﻭﺍﻷﻟﺴﻦ ﻭﺍﻷﺩﻳﺎﻥ ﻭﺑﻴﻦ ﺣﻘﻮﻗﻬﻢ ﻭﺣﺮﻣﺔ ﺩﻣﺎﺋﻬﻢ ﻭﺗﺴﺎﻭﻳﻬﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻘﻮﻕ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺴﺘﻘﻴﻢ ﺑﻬﺎ ﺣﻴﺎﺓ ﺍﻟﺒﺸﺮ ﻭﺗﺤﻔﻈﻬﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻔﺘﺖ ﻭﺍﻟﺤﺮﻭﺏ؛ ﻭﻛﻞَّ ﺳﻠﻮﻙ ﺑﺸﺮﻱ ﻗﺎﻡ ﺑﻪ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻮﻥ ﻋﺒﺮ ﺍﻟﻌﺼﻮﺭ ﻭﺍﻟﺪﻫﻮﺭ ﻳﺨﺎﻟﻒ ﺗﻠﻚ ﺍﻷﺻﻮﻝ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﻳﻨﺴﺐ ﻟﻔﺎﻋﻠﻪ ﻻ ﻟﻨﺺ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻘﺎﺑﻞ ﻟﻠﺘﻔﻌﻴﻞ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺯﻣﺎﻥ.
 
يبدو لي أن النص الإسلامي مما لا يدع مجالاً للشك ثري ملئ بالقيم المؤسسة لكل نظام سياسي قويم، وإن الإسلام لهو أعظم من أن يضع للبشر بروتوكولات سياسية يسيرون بها بل هدفه أسمى من ذلك يتجلى في جوهره في ابتعاث القيم وجعلها مبادئ ومُثل ينبغي للبشرية المجاهدة لتحقيقها وصونها فلا استقرار للبشر في واقعهم السياسي وهم يخالفون قيم الإسلام السياسية التي لا قيام لأركان أي دولة بالاستغناء عنها.
    

ثانياً: ملامح من النصوص المؤسسة للدولة في القرآن والسُنة:

لا تقوم للدولة أركانها دون قيم عليا تؤسس إطارها وإلا سينفرط عقدها وتعود للهمجية ونمط الفوضى الذي تأسست الدولة أصلاً لإنهائه أو حتى التقليل منه، وبذلك نريد التعرض لنسمات بعض القيم والملامح التي حواها النص القرآني والسنة حول القيم المؤسسة لكل دولة متزنة ومنها:
  
* العدل والعدالة الاجتماعية:
تحدث القرآن وتحدثت السنة عن هذه القيمة التي لا يقوم لا البناء الاجتماعي ولا السياسي ولا الدولة دونها، فالفوضى والظلم حليفان والطغيان أول نُذر الانفجار الاجتماعي، ولا قيام للدولة دون الاستقرار ولا استقرار في ظل الظلم، بل يستقر بناء المجتمعات والدول كلما تشبّعت بقيم العدل والعدالة الاجتماعية، يقول الله تعالى: "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ" (الحديد 25).
  
وقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن من ضمن السبعة الذين يظلهم الله لي ظله يوم لا ظل إلا ظله (الإمام العادل). وما حديث القرآن حول المواريث والمهور إلا إشارات عميقة حول قضية العدالة الاجتماعية تحتاج من الفقهاء والمجددين التأمل واستخراج العِبر منها والاجتهاد لتحويلها لإجراءات عملية في الدولة المعاصرة، وكذلك تناول الإسلام لقضايا البيوع والدَيْن والزكاة يدل على ثراء لا نظير له في النص السياسي الإسلامي حول مفهوم الدولة.
  
* الشورى:
هل يستقيم حال دولة ينفرد فيها رجل أو جهة أو جماعة أو قبيلة أو ملة دون غيرهم من الناس بالقرار والثروة والحقوق؟! بل إن البشرية ما قامت فيها حرب ولا حل بها خراب إلا بحلول الاستبداد محل الشورى والفوضى محل التوافق، وكم صدق عبد الرحمن الكواكبي لمّا ذكر في كتابه طبائع الاستبداد أنه قد توصل بعد البحث التمحيص على أن "الاستبداد هو الدّاء، ودواءه دفعه بالشورى الدستورية"، وذكر كذلك أن "فكره قد استقر على ذلك كما أن لكل نبأ مستقر".
  
وهل يوجد نص في البشرية أعمقُ تعبيراً عن الشورى أكثر من النص السياسي الإسلامي فقد قال الله تعالى متحدثاً عن ما ينبغي أن يكون عليه الناس بصيغة أشبه باستنكار الأمر الفوضوي لدى الشعوب وبإشارة عميقة لضرورة استحكام الشورى والتوافق والتوازن في الحياة البشرية كلها فضلاً عن دولة تتنوع فيها القبائل والأديان والألوان والألسن، بدلاً من منطق الغاب ومنطق الفوضى، فيقول الله تعالى: "وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (الشورى 38).
    

وجود مجتمع حر في التفكير والإرادة هو السبيل الأول لتأسيس قيم الدين ومُثل الشريعة، ولا قيام لدولة يسعى لها الإسلام وشعبها تحت وِثاق السلاسل أو شعبها مستعبد
    

* الحرية:
إن من لوازم قيام الشورى هي الحرية، فلا تتحقق الشورى في الواقع مالم يكن هنالك جو حر يسود في البيئة الاجتماعية للشعب فهل دعى الإسلام لبناء الشورى وغفل عن بناء الحرية؟! بالطبع قد أكد الإسلام على قضية الحرية بل جعلها الأساس للإيمان بالدين أبتداءً واستمراراً وانتهاءً، فقد جعل الله الإيمان بالدين قضية مربوطة موثوقة بالاختيار الحر فقال:"لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (البقرة 256).
 
إن وجود مجتمع حر في التفكير والإرادة هو السبيل الأول لتأسيس قيم الدين ومُثل الشريعة، ولا قيام لدولة يسعى لها الإسلام وشعبها تحت وِثاق السلاسل أو شعبها مستعبد؛ والشعب الحر في الإسلام هو طاقة البناء الفعلي لقيم الدين، والحرية في الإسلام مركزية وجوهرية في بناء الدولة.
 

ثالثاً وأخيراً:

كانت تلك ملامح لبناء سلطة الدولة من منظور إسلامي، ويبقى أن نؤكد أخيراً على الفلسفة الجوهرية التي تقوم عليها الدولة من منظور الإسلام، فالكثيرون يظنون أن الإسلام وضع نُظم وبروتكولات لبناء الدولة بيد أنه أفسح ذلك لمجال الاجتهاد ووضع الأطر والقيم لبناء الدولة أي أنه وضع روح الدولة ومُثلها ولم يضع هياكلها ونظمها فالدين أفسح من ذلك وقد جعل الله الأرض ميداناً للتدافع في سُبل البناء الرشيد للحضارة تصارعاً للوصول للمثال. وقد لخص فكرة الدولة في الإسلام الشاعر والفيلسوف محمد إقبال في كتابه – تجديد الفكر الديني قائلا: "والدولة في الإسلام هي (مجرد محاولة) لتحقيق الروحانية في بناء المجتمع الإنساني. وبهذا تكون كل دولة غير قائمة على مجرد السطوة، بل تستهدف تحقيق مبادئ مثالية، هي دولة ثيوقراطية".
  
وتبقى الإجابة على سؤالنا الأول هل يمكن للدولة أن تقوم بفكاك عن الدين كامنة في مقولة إقبال الدقيقة، أي أن الدولة لا يمكنها الفكاك من الدين إلا إذا انفك الدين عن الذات البشرية نفسها، فكل دولة تسعى وتهدف لتحقيق مبدأ أو مبادئ مثالية سامية كالعدل والحرية فهي دولة دينية في صميم جوهرها. أي أن الدولة من منظور ديني أمر ممكن بل يستحيل قيام دولة بالابتعاد عن الدين.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة