مات الكبار.. ولم ينسَ عمر أبو ليلى

راهن الاحتلال الصهيوني منذ نشأة كيانه الغاصب على موت الكبار الذين عايشوا الصراعات والحروب، موتٌ قد يكون طبيعيا بفعل تصاريف الدهر، أو بالاغتيال والقتل والتصفية للشرفاء، وراهنوا أيضا وعلى نسيان الصغار لقضيتهم، نسيانها عبر تخطيطٍ منظم جنّد له الاحتلال الأموال والرجال والخونة والعملاء ودجنوهم ليكونوا هم الرموز وهم القادة، ليصنعوا بذلك أجيالا مشوهة وقدوات عقيمة، لكن أبطال فلسطين كان لهم رأي آخر ولهم قادة آخرون في الميادين والشوارع وساحات النزال، ونراهم اليوم وبالأمس وغدا يتوارثون القضية أبا عن جد، يتنفسونها كما يتنفسون الهواء، ويرونها في كل شجرة زيتون، وفي كل حصاة يقذفون بها وجه الغزاة، وفي كل ميلاد لطفل جديد أعده أهله ليحمل الراية من بعدهم، ويكون ثائرا مجاهدا منتفضا في وجه العدى، ولو رأى قادة الاحتلال الذي تبنوا هذا الفكر وزرعوه ليحصدوا، لو رأوا اليوم بطولات وأمجاد الفلسطينيين، لتجرعوا الموت مئة مرة قبل أن يموتوا بالفعل، كيف لا وقد ذهبت كل مخططاتهم ومؤمراتهم أدراج الرياح (فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ).
 
عمر أبو ليلى من قرية الزاوية في فلسطين المحتلة، فارسٌ مغوار كان حجر الزاوية في الأيام الأخيرة، وترجل بالأمس وسار على خطى من سبقوه من الشهداء بإذن الله على طريق تحرير الأرض والإنسان وفلسطين من النهر إلى البحر، والجدير بالذكر أنه ارتقى قريبا من ذكرى استشهاد شيخ فلسطين أحمد ياسين في 22/مارس أي بعد يومين من الآن، فقد ورث الجد للحفيد القضية واستلم الراية، ولو كان الشيخ حيا اليوم لسّر أيما سرور بأحفاده الشجعان، ترجل الفارس الشهيد بعد أن أثخن وأوغل في دويلة الاحتلال التي استنفرت كل أجهزتها الأمنية فباتت جيشا في مواجهة رجل، ليثبت للعالم كما فعل الأبطال من قبله أن "الجيش الذي لا يقهر" هو مجرد أسطورة وفزاعة، لا تخيف إلا من يقيسون الأمور بمقاييس الدنيا، أما عمر وأمثالهم فنبراسهم في الطريق (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ)، فكانت عملية سلفيت مدرسة متكاملة بطلها شاب لم يتجاوز العقد الثاني من عمره، فلله دره وعلى الله أجره، فقد أعاد لنا أمجاد وأبطال الصحابة والتابعين، الذي كان يخرج أحدهم ليقود جيشا وهو في مثل عُمُرِ عُمَر، عمر اليوم يقود اليوم أمة بأكملها، أمةٌ تابعت بطولاته وتضحياته وتخبط الاحتلال في تتبعه والبحث عنه حتى الرمق الأخير عبر وسائل الإعلام مباشرة.  

    

ارتقى عمر، وقابل الشهداء ممن سبقوه وقد وجدوا ما وعد ربهم حقا، وارتقى من قبله جرار ونعالوة والأعرج وعشاق الطعن مهند الحلبي ورفاقه، وآخرون كثر لن تكفينا صفحات وصفحات لنسطر أمجادهم وبطولاتهم

المعلم الأعظم والمعلم الأكبر، هكذا كان وصف عمر في انتخابات نقابات المعلمين في الأردن، فقد اختاره معلم وفضله على من سواه، وتعلمون ماذا يعني أن يختار معلم الأجيال ومربيها معلما آخر ربما يكون في عُمُرِ أولاده ليكون قدوة له، نعم هذه هي القدوة التي يجب أن تنشأ عليها الأجيال، قدوة حقيقية وفي زمننا الحديث، شاهدناها بأعيننا ووعينا قصصها بقلوبنا، بعيدا عن القدوات المزيفة والأسطورية التي صنعها لنا العدو، ففي تاريخنا وواقعنا وحاضرنا ما يغني عن ذلك كله (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ).

 
ومما يؤرق دولة الاحتلال أن أغلب المجاهدين الجدد هم من أشبال فلسطين الذين ولدوا في فترة الخضوع والخنوع واتفاقيات السلام المذلة، فترة كان فيها العمل العربي والفلسطيني من أجل فلسطين في أدنى مستوياته، بل وانقلب من الدعم إلى التآمر، جيل نشأ على مناهج "منزوعة الدسم"، وخرج من مناطق التنسيق الأمني فيها على أعلى مستوى، والعمالة والخيانة هي الورقة الرائجة والرابحة، أما الشرفاء في تلك المناطق فينالهم سوء العذاب من الاحتلال وعملائه، فكيف نشأ هذا الجيل الرباني الفريد، هذا بفضل الله أولا ثم بفضل آبائهم الذين ربوهم وغرسوا فيهم قيم العزة والأنفة والجهاد في سبيل الله، فقد يستطيع الاحتلال أن يقتل ويسلب ويهجر ويحاصر، لكنه لن يستطيع أبدا أن يصادر ما في نفوس أهل فلسطين من التعطش للكرامة والحرية وسعيهم الحثيث نحو ذلك، كيف لا وقد قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: "بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ).

ارتقى عمر، وقابل الشهداء ممن سبقوه وقد وجدوا ما وعد ربهم حقا، وارتقى من قبله جرار ونعالوة والأعرج والبرغوثي وعشاق الطعن مهند الحلبي ورفاقه، وعياش وعقل والرنتيسي وأبو هنود وياسين، وآخرون كثر لن تكفينا صفحات وصفحات لنسطر أمجادهم وبطولاتهم، ولكنها خالدة باقية ما بقي التاريخ، وستذكرها الأجيال القادمة بمزيد من العزة والفخار وكيف أنهم كانوا قناديل مضيئة على طريق التحرير، فهل يثني ارتقاء الشهيد تلو الشهيد الشعب الفلسطيني عن إنجاب المزيد من الأبطال وادخارهم ليوم التحرير، ستبقى هذه الأمة ولّادة.

إِذا سَيِّدٌ مِنّا خَلا قامَ سَيِّدٌ قَؤُولٌ لِما قالَ الكِرامُ فَعُولُ



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

بمنزلها بقرية الزاوية (غرب محافظة سلفيت)، تجلس غدير أبو ليلى بمحاذاة صورة لطفلٍ نحيل في روضته، هو ذاته الذي كبر وخاض اشتباكا متعددا مع الجيش الإسرائيلي حتى وصلها نبأ استشهاده.

الأكثر قراءة