عصابة الأسد.. كيف دمر النظام السوري مفهوم الدولة؟

blog- الأسد

في كل مرة يطل علينا رأس النظام السوري بشار الأسد بخطاب من خطاباته يستعرض فيها ترّهاته وفزلكاته التي لم تعد تنطلي إلا على بضعة من عشاقه المغيبين فكرياً والتابعين بانتمائهم إلى درجة يصعب عليهم فيها تحكيم أقل درجات المنطق والوعي بالمفردات البديهية التي يجب لها أن تحكم العلاقة بين الشعب والحاكم في أي من الدول المعاصرة. لكن ما يلفت الانتباه بشكل كبير هو محاولة نظام الأسد التركيز دائماَ على التماهي بينه وبين الدولة، والتأكيد في كل المحافل الدولية على أنه الدولة السورية والمطالبة بمخاطبته على هذا الأساس، ولعل ذلك بدا واضحاً في مداخلات سفير النظام في مجلس الأمن الدولي بشار الجعفري.

 
هذا النهج الذي يتنافى مع الأسس القانونية والسياسية التي يقوم عليها مفهوم الدولة، ما يكرّس بدوره المسار الذي دؤوب عليه النظام خلال فترة حكمه الطويلة لسورية في تجهيل الشعب السوري وتسميم أفكاره ومفاهيمه بالاتجاه الذي يمنعه من المطالبة بحقوقه البديهية التي تكفلها له الشرعة الدولية لحقوق الإنسان والمبادئ الدستورية والقانونية بما فيها تلك المبادئ التي تقوم عليها دساتير الأسد الفاقدة لكل شرعية. ونظراً لأن هذا التماهي المغلوط بين مفهومي الدولة والنظام أصبح وخاصة في الآونة الأخيرة مسبحة على ألسنة جمهور الأسد، فإنه لا بد لنا من وقفة على مفهوم الدولة تبين حجم المغالطة التي يحاول الأسد تكريسها في كل المناسبات.

 

التنظيم يقصد به النظام الحاكم في دولة ما والذي يتولى تنظيم العلاقات بين سكان الدولة فيما بينهم والعلاقات بين السكان والنظام وبين الدولة وغيرها من الدول وأشخاص القانون الدولي

تعرّف الدولة في العلوم القانونية والمبادئ الدستورية على أنها ذلك المفهوم المعنوي المركّب الذي يتطلب لقيامه ثلاثة أركان رئيسية تشكل مجتمعة ما يعرف بالدولة، هذه الأركان هي الإقليم والسكان والتنظيم، ولكل ركن من هذه الأركان تفصيل ونظريات تبين ماهيته. فعند الحديث عن الإقليم نقصد به تلك المساحة من اليابسة والمعين بحدود تفصله عن غيره من أقاليم الدول، وهو يمتد أيضاً ليشمل الفضاء الذي يعلو هذا الإقليم إلى ما لا نهاية بالإضافة إلى المساحة المائية التي تتكون من المسطحات المائية الداخلية بالإضافة إلى 12 ميل بحري من البحار التي يطل عليها أرض الإقليم وذلك وفقاً للقانون الدولي. أما الركن الثاني ألا وهو السكان فهو يدل على المجموعات من البشر التي تقطن إقليم الدولة على نحو ثابت ومستمر وتمارس فيه مختلف نشاطاتها، وركن السكان بهذا المعنى يختلف عن مفهوم الشعب السياسي الذي يقتصر على حملة جنسية الدولة سواء أكانوا من سكانها أم لا، وعليه فإن ركن السكان في سورية يشمل الجماعات السكانية من غير حملة الجنسية السورية، ومنهم الفلسطينيون السوريون والكرد اللذين دأبت النظم البعثية الشوفينية المتتالية في سورية على تجريدهم من حقهم في الجنسية السورية. 

أما الركن الثالث وهو التنظيم فهو الموضوع الرئيسي المستهدف في هذا المقال. فالتنظيم يقصد به النظام الحاكم في دولة ما والذي يتولى تنظيم العلاقات بين سكان الدولة فيما بينهم والعلاقات بين السكان والنظام وبين الدولة وغيرها من الدول وأشخاص القانون الدولي. والنظام في الدولة لا يقتصر على الرئاسة والحكومة أو ما يسمى بالسلطة التنفيذية في الدولة بل يمتد ليشمل السلطة التشريعية والسلطة القضائية وسائر المؤسسات العامة الأخرى. وعند الحديث عن النظام في دولة ما يثور سؤال بالغ الأهمية ألا وهو مدى شرعية هذا النظام، بمعنى مدى أحقية هذا النظام في الحكم، والشرعية هي مفهوم سياسي يتطلب وفقاً للنظم والأفكار والمبادئ العصرية شروط عديدة والتي يمكن اختزالها في عصرنا هذا بالعقد الاجتماعي الحديث الذي صاغ بنوده الأولى الفيلسوف الفرنسي التنويري جان جاك روسو، وهو يشكل اليوم الدستور في الدولة، ويشترط هذا العقد لإلباس نظام ما ثوب الشرعية أن يتم اختياره وفقاً لانتخابات عامة حرّة ونزيهة يعبر فيها السكان عن إرادتهم بحرية تامة دون أي ضغوط أو تهديد، ولا يقتصر الاختيار على شخوص النظام الحاكم بل يتجاوزه ليشمل القواعد الدستورية التي تنظم العلاقة بين النظام والشعب وتحدد سلطة النظام كوكيل عن المواطن بما يخدم الإنسان في الدولة ويحقق غايات جمعية من غير الممكن للفرد تحقيقها بمفرده. فالشخوص في النظم الحاكمة ما هم إلا موظفين بأجر ضمن صلاحيات معينة لا يجوز تجاوزها، وأي تجاوز من شأنه أن ينزع صفة الشرعية عن النظام تبعاً لحجم التجاوز. 

في كل الأحوال يبقى النظام بغض النظر عن شرعيته مفهوم مختلف كليةً عن مفهوم الدولة، ومن شأن التجاوز عن هذا الاختلاف الذي دأب نظام الأسد على طمسه إحداث اختلال وانتهاك خطير لمركز المواطن من حقوق وواجبات في دولة القانون. وإن كنّا نتحدث عن هرطقة قانونية ممنهجة من قبل نظام الأسد، فإني أكاد أجزم أن بشار الأسد لا يعي الفرق بين الدولة والنظام، فهو كما يبدو جلياً مغيب عن الواقع ويتحدث بأسلوب ومنطلق ومواضيع تشير أكثر ما تشير إلى أن هذا الشخص مغيّب عن الواقع، فهو يعيش في عالمه الخاص دون أن يعي أو يلحظ ما آلت إليه الأمور في سورية من تقاسم للأرض السورية بين الفرقاء الدوليين وغياب تام لمظاهر السيادة محلياً ودولياً. 

وإن كنا نتحدث عن الفرق بين مفهوم النظام والدولة، فإن هذا الاختلاف يظهر راسخاً في أكثر الدول ديمقراطية في العالم والتي تحكم فيها نظم شرعية استمدت شرعيتها من إرادة الشعب الحرة وعملت خادمة أمينة لمصالحه وحاجاته، فعند الحديث عن النظام في فرنسا على سبيل المثال والتي تعتبر منبت المفاهيم الحقوقية الحديثة، فإنه يتم استخدام مفردات من قبيل الإدارة أو الحكومة أو مجلس النواب تبعاً للجهة المراد الإشارة إليها في النظام الحاكم في الدولة، كذلك الأمر في الولايات المتحدة حيث يستخدم مصطلح الإدارة عند الحديث عن الرئاسة، أو مجلس النواب ومجلس الشيوخ عند الحديث عن السلطة التشريعية، أو المحكمة العليا عند الحديث عن السلطة القضائية. فإذا كان الحال كذلك في أكثر النظم شرعية في العالم فكيف يمكن له أن يكون في نظام فاقد لكل شرعية أو سيادة كنظام الأسد، ذلك النظام الذي لم يكتسب صفة الشرعية ابتداءاً من حيث أنه وصل للحكم بانقلاب عسكري وليس بانتخابات شرعية كما يجب، مرورا بفترة حكمه التي غاب فيها القانون والمواطنة وكرست لتخدم مصالح قادته، وانتهاءً بالمجازر التي ارتكبت ومازالت ترتكب بحق مواطني الدولة، الأمر الذي من شأنه أن ينزع عن النظام اي شرعية يمكن لنظام ما أن يحظى بها. 

لعل الحديث اليوم عن نهج نظام الأمر الواقع في سورية في طمس معالم الدولة السورية واصراره على التماهي معها بالإضافة إلى التدمير الشامل لمدن بأكملها، يقودنا إلى استنتاج لازم مفاده أن النظام يريد ربط مصيره بمصير الدولة السورية وجوداً وعدماً. فإما سورية تحت قيادة الأسد أو لا وجود لتلك الدولة من دونه.