حتى لا تغرق سفينة الجزائر

ضرب الجزائريون لأنفسهم موعدا مع التغيير، فخرجوا إلى الشوارع بالملايين منددين بترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة، كما رفضوا الالتفاف على الدستور وتمديد العهدة الرابعة وتأجيل الانتخابات بذريعة تهيئة الأجواء لانتقال هادئ وسلس يحفظ للبلد استقراره. ومنحت الاحتجاجات السلمية والأسلوب الحضاري الكبير نسمات أمل للجزائريين الذين استعادوا إيمانهم بأنفسهم وبإمكانية أن يساهموا في بناء وطن دُفعوا إلى العيش على هامشه بسبب سياسات النظام التي أقصت الكفاءات وقرّبت الراقصين على إيقاع الرئيس وحاشيته.

 

لكن هذا الأمل المتجدد لا ينبغي بحال أن يحجب عنا ما يحدث في الواقع، وما يمكن أن تنزلق إليه الأمور نتيجة أفكار خاطئة تعيد إنتاج نفس السلوكيات الإقصائية التي انتهجها النظام. وفيما يحضّر الجزائريون أنفسهم لجولة جديدة من المسيرات عبر ربوع البلاد، مطالبين الرئيس بالتنحي "الفوري" وعدم تأجيل الانتخابات، تبرز إلى السطح خلافات سياسية وأيديولوجية وسلوكية كبيرة من شأنها أن تنسف فكرة الوحدة الوطنية والهدف المشترك الذي دفع الناس إلى الاحتجاجات.

 

في هذا الجو المشحون بالمغالطات وسوء الفهم، يصبح من العسير على كثيرين فهم قضية الهوية وقابليتها للتعدد والاختلاف، وتصبح الهويات التي همشتها السلطة السياسية مصدر تهديد عندما تحاول أن تفرض ذاتها مجددا

من أخطر ما يحدث الآن هو الانحياز إلى القناعات الفكرية أو المذهبية الضيقة وتغليبها على مصلحة وطن بأكمله يشترك أبناؤه في حلم واحد: دولة مؤسسات لا صوت يعلو فيها فوق صوت القانون الذي يساوي بين الجميع في الحقوق والواجبات. وظهر ذلك جليا للعلن في موضوعين اثنين: أولهما تعيين متحدثين باسم الحراك؛ حيث أخرج كل ناشط قائمة بممثليه، وضع فيها الأسماء التي تمثله سياسيا وفكريا، وهذا أمر صحي، غير أنه واجه بالرفض والإقصاء قوائم الآخرين لأنها تضم ممثلين لا يثق في توجهاتهم السياسية أو أيديولوجياتهم.

 

هنا بدا جليا أننا نعيد إنتاج نفس أساليب النظام الإقصائية، وإن كانت المشكلة -للأمانة- أعمق بكثير، لأنها وليدة أنماط تفكير بُنيت على الخلط بين ما هو صواب وما هو حق، وبين ما هو خطأ وما هو باطل، واعتبار كل ما لا يتوافق مع أفكارنا أمرا نشازا لا يحظى بأي قبول، ولو اقتضى الأمر هدم المعبد على الجميع. كأن الناس اكتشفوا أنفسهم من جديد وسط هذا الحراك الشعبي الكبير، لكن الاكتشاف لم يكن مصحوبا بتفهّم في الغالب، لأنه حمل تلك النظرة الحدّية لما حولنا (مع أو ضد – الأنا والآخر – الصديق والعدو)، في بلد متعدد الأقطاب لا يمكن لأي أحد فيه أن يفرض أفكاره بالقوة على الجميع، إلا إذا كان مستعدا لخوض حروب لا رابح فيها.

 

الموضوع الثاني الذي أثار الجدل وأصبح مادة دسمة تستعصي على الهضم هو قضية الأمازيغية وما تعلق بها من قضايا الهوية أو مخاوف الانفصال التي بدأ يُسوّق لها -بشكل غير بريء- ترغيبا وترهيبا. وسط هذا الحراك الرافض لبقاء بوتفليقة، يتعمد البعض إخراج فزّاعة الانفصال، وكأن لسان الحال يُخيّر الجزائريين بين الرضوخ لهذا النظام أو مواجهة شبح الانقسامات وتشظي الدولة. ولم يتعامل الكثيرون بشكل واع مع قضية الأمازيغية، ليس من الآن ولكن منذ بدأ صوت الناس يعلو أكثر فأكثر مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي.

 

وفي مقابل متطرفين يحلمون بفصل منطقة القبائل عن الجزائر، برز متطرفون آخرون يجاهرون بالعداء لكل ما يتعلق بالهوية الأمازيغية، لسانا وثقافة وراية، وذلك لاعتبارات شوفينية أو عنصرية أو حتى مزاجية، وهو ما يولد احتقانا يغلق الباب أمام كل فهم موضوعي للقضية. في واقع الأمر، تعتبر "معضلة" الهوية ملمحا من ملامح الإقصاء والوصاية التي يحاول أناس فرضها على آخرين، بحجة أنهم أقدر منهم على الفهم أو أعلم منهم أو أنهم يملكون السلطة والقوة التي يفرضون بها آراءهم على الآخرين. وفي هذا الجو المشحون بالمغالطات وسوء الفهم، يصبح من العسير على كثيرين فهم قضية الهوية وقابليتها للتعدد والاختلاف، وتصبح الهويات التي همشتها السلطة السياسية مصدر تهديد عندما تحاول أن تفرض ذاتها مجددا.

 

الجزائريون، وخاصة النخبة المثقفة وصناع الرأي، هم أمام لحظة تاريخية فاصلة، ولهذا عليهم أن يدركوا أن تعدد الآراء والأفكار والتوجهات لا يشكل تهديدا بل ثراء لبناء وطن قوي يسوده القانون وتحكمه العدالة الاجتماعية.

 

الكلمة أمانة ومسؤولية، والذين ينفخون في كير الجهوية والطائفية ويريدون مجتمعا لا تتعدى حدوده أفقهم الفكري الضيق يرتكبون جريمة كُبرى، وهم مسؤولون أمام الله والشعب والتاريخ. وكما يرد في أدبياتنا التفريق بين "الجهاد الأصغر" (الحرب لصد العدوان) والجهاد الأكبر (تطهير النفس)، علينا أن نفرق بين "الثورة الصغرى" ضد استبداد الأنظمة، و"الثورة الكبرى" ضد استبدادنا الداخلي الذي يجعل الوطن الواسع على مقاس آرائنا وأفكارنا الضيقة الرافضة للآخر بذرائع عدة.

 

وأذكّر هنا بما قاله الطبيب والمفكر الثائر فرانز فانون، وهو الذي تشرّب الثورة الجزائرية ضد المستعمر الفرنسي حتى النخاع، فقد كان يرى أن هدف المثقف الوطني لا يمكن أن يكون ببساطة استبدال الشرطي الأبيض بصنوه الوطني، بل "خلق أرواح جديدة".

 

الثورة الحقيقية الكبرى في عالم اليوم هي الاعتراف والقبول بالجميع شركاء في الوطن، هي ثورة الانتصار للقيم والمفاهيم الإنسانية.. هي ثورة ضد كل تطرف، ديني أو علماني، وهي انتصار للقوانين ضد الأيديولوجيا، لأن الدول العادلة تُبنى بالقوانين وليس بالأيديولوجيات الإقصائية للآخرين.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة