شعار قسم مدونات

تجربة الشعور بإعجاز القرآن الكريم.. إدارة الخطاب الإبداعي

blogs قرآن

نعم إننا كلنا من نسل نبي كريم حَمل شعلة الإيمان ومسؤولية رعاية الأرض عن اللهِ مباشرة، وكأن قصتنا مع الخالق معشر البشر تنتهي من حيث ابتدأنا؛ بكلمات علمها الله لأبينا آدم عليه السلام فسجدت له الملائكة كلهم تكريما وبُعث به وبنا إلى هنا وبكلمات جُعلت المعجزة الخالدة للنبي الخاتم لريادة الأرض ومن عليها إلى يوم الدين. نعم إننا مرتبطون جدا بالله العزيز الجليل ومحظوظون جدا بكوننا من أمة من أوحى له الله بكلماته ليخاطب بها أبناء آدم مباشرة، كلمات حفظها في عقولنا وقلوبنا ليرشِدنا بها في كل وقت وعلى أي حال.

نعم إنها معجزة تَرتبط بنا إلى حدّ لا يوصف، معجزة بالكلمات التي من دونها لن يكون لنا أو لأي شيء حولنا أي معنى أو أدنى قيمة، معجزة لا يمكننا فهمها والاستفادة منها وحسب بل إنها وبخلاف باقي المعجزات معجزة يمكن لأي أحد من ولد آدم تكرارها وتكرارها وتكرارها آلاف المرات وبكل سهولة ودون أي موانع وكأننا جزء منها -فأي كرامة أزكى من ذلك-.

 

التحدي القرآني المفتوح لن يتمكن أحد من مجاراته مهما حاول؛ فهو يتعدى حدودنا وقدراتنا لما يتطلبه من إحاطة معرفية يقينية تامة بكل العلوم والمعارف الإنسانية والكونية

معجزة يُمكن لأي من ولد آدم الشعور بإعجازها والإقرار بتفوقها على كلماتنا وما تحتويه من معارف وتوجهات ساذجة ومحدودة وضيقة الأفق، كلمات سامية جدا تهزأ بتلك القرون وبجموع العباقرة الذين برزوا خلالها لتقول لنا تُعجزكم مِثل تلك الأسماء التي تعلمها والدكم، وانظروا كم ابتعدتم عن ذلك القبَس الذي لم تكن بعيدة عنكم آياته في هذا الكون الفسيح، وانظروا قصورَكم المفجع عن إنتاج خطاب إنساني كامل لرعاية الأرض ومن عليها المسؤولون عنها أمام الله رغم ما تراكم لكم من علوم وخبرات.

في تدوينتَيّ السابقتين (إعجاز القرآن البلاغي.. جوهر الإعجاز القرآني الخالد) و(على غفلة من توقعاتنا.. هكذا يمكنك الشعور بإعجاز القرآن) تحدثت عن تجربتي في الشعور بإعجاز القرآن الكريم ومسبباتها محاولا التأسيس لطريقة يمكن للجميع استخدامها للشعور بإعجاز القرآن. وأستمر هنا بمناقشة تجربتي وتحليلها متحدثا عن إدارة الخطاب الإبداعي.

لقد وقفت كلمات تأليف أو كتابة أو نَظْم أو تدوين هزيلة وسخيفة أمام توصيف التجربة التي عشتها ونعيشها كلنا لإبداع نص بليغ، فأنت عليك أن تفكر وتبحث وتحلل وتتأمل وتركز وتُوجه وتقصي وتقرب وتأخذ وتترك للتمكن من السيطرة على النص وإيصاله بالجودة المناسبة، وكأنك في خِضمّ عملية إدارية معقده بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

فالنصوص التي نحاول إبداعها تشبه إلى حد مذهل فريق عمل متكامل نسعى به لنقل رسالتنا للآخرين وتسويقها لهم، إنه فريق عمل غير اعتيادي قد يغلبك ويتفلت منك ويتمرد عليك، قد يخدعك أو يرفضك أو يُحرجك، قد يتدلل عليك ويستغلق عنك ويتأبّى عليك. فريق قد تظلمه وقد تكرمه وقد تسرف عليه وبه. وقد يخذلك وقد تخذله، فريق يتوالد من عقلك ويتنفس عبق روحك ويعبر عن قدرتك التي لا يحدّها غيرك على التحليل والإختيار والتعبير. إدارة كباقي الإدارات تواجهك خلالها تحدياتٍ كبيرة لوجود تفاصيل متعددة جداً وجوانب متشعبة لأبعدِ مدى وخيارات متنوعة لا يُمكن حصرها ببساطة يلزم فهمها بعمق وموضوعية للمفاضلة والتوفيق بينها ما أمكن ليتزيّن بها الخِطَاب ويطرب بها المُخاطَب.

فتجد في قسم الخطاب أفكارا تنتظر منك أن توضحها، وبراهين تفرض عليك نصيبها من البيان، ومقاعد شاغرة كثيرة لكلمات يجب أن تختارها بعناية فائقة، وأساليب تُحتّم عليك اجتماعات فكرية جادّة مع المخاطَبين ونوعيات الخطاب لتختار لهما ولك كمُخاطِب ما يناسبكم بدقة ومهارة وحذاقة، وهناك معلومات يجب عليك تنقيحها والتأكد من سلامتها، وإشارات تُصر على أن تكون جزءا من ذكراك مع النص، وهناك تواريخ تهزك وتصرخ بك لتُذكر، وواقع ينتظر أن يلتقي المخاطَبين في ثنايا نصك، ومستقبل يستشرف آفاقه بك وينتظر أن يكون.

وفي قسم المخاطِب والمخاطَب تبرز الذات الإنسانية بتفرعاتها وتقسيماتها وأشكالها وصراعاتها اللانهائية، فلكل شخص بصمته الخاصة ترسم أبعادها ثقافته وعمره وعلمه وشغفه وطريقته ومفتاحه وخبرته وذكاءه وخياراته التي تنتظر منك أن تناقشها وتفهمها وتفرق بينها، دافعا له لمواجهة الحقيقة دون صدام هادم ولا مجاملة مُضيّعة.

ولا يمكننا أن نُغفِل الخِطاب في أفقه الخاص الذي يجب أن تتحرى لسفينته توقيت الإبحار المناسب وتنسج له شراع عرض مُلائم مرئيا أو مقروءا أو مسموعا واعيا باختلاف طرق العرض ومدى تأثيرها ومناسبتها للسفن والوجهات المختلفة، ويواجهك كقبطان كلماتٍ رياح متقلبة ومتغيرة ومتضاربة وأنت تجري في بحار المخاطَبين تؤثر بشكل مباشر على جودة الرسالة والمحافظة على طريقها وتأمين وصولها، فاختلاف الجو العام لسفينة كلماتك بتغير الظروف وأحوالها تتغيّر معالم كل شيء ويُلزمك فورا تغيير طاقم سفينتك والتعديل عليه لمناسبة الظروف الجديدة.

الشعور بما يُسمى بالإعجاز العلمي في القرآن يُشابه إلى حد كبير اكتشاف اللطائف البلاغية أو البيانية اللغوية في آيات القرآن؛ فكليهما وكل ما يشابههما أمور تتعلق بجزئية معينة من كتاب الله

وبكل تلك الاحتمالات والتشعيبات لا يُمكنك أن تكون متيقنا بجودة بضاعتك، لأن الحكم عليها بيد الآخر وقوالب الظروف التي لا يمكنك التنبؤ بها أو الاستعداد لها، ويضعك عدم اليقين هذا في سلاسل الإرباك لتشعر بضعفك وقصورك وعجزك الحقيقي عن ضمان بضاعتك بالتميّز الذي بنيته لها وتعبت من أجله، يحدث ذلك حتى وإن كنت تتحدث في موضوع محدود ضمن اختصاصك مستهدفا به فئة محدودة تعرفها جيدا، فكيف بربك بإدارة نصّ شمولي موسوعي خالد يَستهدف كلّ البشر بتواريخهم وثقافاتهم وحضاراتهم ونزْعاتهم المختلفة والمتعارضة. 

إن التحدي القرآني المفتوح لن يتمكن أحد من مجاراته مهما حاول؛ فهو يتعدى حدودنا وقدراتنا لما يتطلبه من إحاطة معرفية يقينية تامة بكل العلوم والمعارف الإنسانية والكونية -التي لا زلنا نحبوا بها رغم هذا التطور التكنولوجي السببي الهائل- وبدقائق الظروف اللانهائية الاحتمالات التي لن نستطيع التنبؤ بها مُطلقا. وكمسلمين لا أتحدث عن محاولة إبداع نص لتحدي القرآن ووضعه قيد التجربة فالقرآن فوق ذلك بكثير؛ ولكنني أتحدث عن محاولة الكتابة في أي موضوع إبداعي ضمن اختصاصنا بجودة عالية جدا بحيث يفهمه الكبير والصغير وبأقل عدد ممكن من الكلمات عارضين كل ما يلزم لإيصال الرسالة وتوضيحها، وحينها فقط ستشعر بالضياع والضعف والعجز وتأخذك رهبة الإعجاز القرآني والانبهار بسموه حتى تشعر وكأنه سيأخذ منك النفس.

وعلى ما تقدم فإن الشعور بما يُسمى بالإعجاز العلمي في القرآن يُشابه إلى حد كبير اكتشاف اللطائف البلاغية أو البيانية اللغوية في آيات القرآن؛ فكليهما وكل ما يشابههما أمور تتعلق بجزئية معينة من كتاب الله العزيز وتُعّبر عن جانب من جوانب التحدي الإعجازي التي تشكل في مجموعها الصورة الشاملة لإعجاز القرآن الكريم. فالإعجاز كما تقدم في التدوينة السابقة ليس شيئا نصفه ونتحدث عنه بل هو شيء نتيقنه ونشعر به ويقتضي ذلك منا بذل الجهد الكامل واستنفاذ كل الوسائل المتاحة.

وتبقى تلك الكلمات الخالدة التي سمعها البشر عن رجل في صحراء مكة المنعزلة من غير سابق علم عُرف عنه، أو بلاغة متميزة أو نباهة ظاهرة أو عبقرية فذّه اشتُهر بها طيلة أربعين عاما عاشها كأي أحد من أهلها مؤسسا أسرته الصغيرة، خلال حياةٍ عاشها عزيزا ومحمودا ومستغنيا وزاهدا بأي تميز أو نزعة للمنافسة أو الرياسة أو الصدارة رغم أن ذلك كان متاحا له طيلة هذا الزمن الطويل ورغم ما سمعه عن نفسه صغيرا وعاشه بنفسه كبيرا واعيا من عجائب الحوادث التي تدفع أي إنسان للشعور بالتميز والتفوق والأحقية.

 

كلمات لم تقلب حياته الهادئة عليه الصلاة والسلام رأسا على عقب وحسب بل وقلبت حياة كل من تقرّب منها وآمن بها بما لاقوه من أصناف العذاب والتنكيل، في مشهد صراعي عميق أشار له الحكيم الخبير بكلمات حفظها إلى يوم الدين حين قال (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) فلو كانت تلك الكلمات عن هواه لهدفٍ في نفسه لتَرَكها وتبرأ منها عندما أنكره أهله الذين كانوا بالأمس القريب يحترمونه ويوقرونه وانقلبوا بتلك الكلمات -رغم يقينه ويقينهم بصدقها وسماويتها- يهينونه ويؤذونه ويضيّقون عليه وعلى أصحابه، فتسمعه جل وعلى كذلك يقول له منبها أهله المستكبيرن ومسليا ومثبتا له ولمن آمن معه (طه (1) مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ (3) تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (4) الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ (5) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَىٰ (6) وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ).