شعار قسم مدونات

قابيل وهابيل في نيوزيلندا!

blogs جريمة المسجد

لقد تحدّث النص القرآني بصريح العبارة عن أوّل جريمة قتل في تاريخ البشرية، حيث قام قابيل ابن آدم عليه السلام بقتل أخيه هابيل، وقد جاءت الآيات مبيّنة ذلك في سورة المائدة: "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ".

 

لقد صوّر القرآن هذه الجريمة بأنّها ثمرة العداوة الأولى بين بني آدم، ولهذا كانت مسألة القتل مضبوطة في النص القرآني لا من ناحية تحريمها القطعي فحسب بل تجاوز الأمر إلى الاعتداء على الإنسانية جمعاء في آية عظيمة بشهادة المسلمين وغير المسلمين حيث جاء في سورة المائدة تماهيا مع الآية السابقة أنّه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا. ونلاحظ هنا دقّة العبارة في هذه الآية، إذ استعمل كلمة الناس وليس المسلمين أو المؤمنين كدليل جنس أو صفة، فالناس اسم جمع شامل للكل البشر من مختلف الألوان والأعراق والأديان.. فمن قتل إنسانا واحدا عمدا مع سابقية الإضمار فكأنّما قتل الناس جميعا، بل تواصل نفس الآية سيرها نحو حرمة الإنسان بقولها: ومن أحياها فكأنّما احيا الناس جميعا.

حالة الكراهية التي يتم تغذيتها بشعارات سياسيوية غالبا من تكون بدافع انتخابي أو أيديولوجي أو ديني، تساهم بشكل مباشر في ترجمة هذه الشعارات إلى حركات عنيفة قد تأخذ شكلا معنويا كالسب أو الشتم

لقد عاش العالم على وقع جريمة إرهابية نكراء، حيث قام مواطن من أصل استرالي يقيم في نيوزيلندا بفتح النار على المصلين داخل مسجدين في مدينة كراس تشريرش مما أدّى إلى مذبحة مروّعة راح ضحيتها حوالي 50 مصليا. وقد تواترت البيانات المستنكرة للحادث، ولكن اللافت للنظر تباين هذه البيانات حيث تمّ وصفها من قبل بعض الحكومات بالجريمة دون التطرّق لمسألة الإرهاب مما طرح تساؤلا كبيرا في سياسة هذه الانظمة. إنّ ما قام به برينتون تارنات ما هو إلاّ نتيجة تنامي ظاهرة اللإسلاموفوبيا التي تنامت بشكل غريب بعد حادثة 11 سبتمبر 2011 في الولايات المتحدة الأمريكية، فمشاعر الكراهية والحقد زادت ضدّ المسلمين بشكل ملحوظ خلال العشرين سنة المنصرمة.

 

فمثلا في ألمانيا قدّمت صحيفة نويه أوسنابروكر الألمانية بيانا قدمته وزارة الداخلية الألمانية إلى أعضاء في البرلمان الألماني، توثّق فيه وقوع حوالي 950 هجوما على الأقل ضد المسلمين والمنشآت الإسلامية في عام 2017. وفي إسبانيا قدّمت منصة المواطنة الإسبانية حول الإسلاموفوبيا تقريرا سنويا يفيد وقوع حوالي 500 حادث يستهدف المسلمين في كافة أنحاء إسبانيا لعام 2018. ولعلّ خطابات دونالد ترامب الرئيس الأمريكي ومنذ حملته الانتخابية تعتبر الأشدّ تجاه الجاليات المسلمة في الغرب، وكلّنا نذكر القرار المثير للجدل عندما أصدر قرار بمنع مواطني 7 دول إسلامية من دخول الولايات المتّحدة حتّى إشعار آخر. وقال ابراهيم هوبر مدير شؤون الاتصالات في مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية أنّ ظاهرة الإسلاموفوبيا تنامت بشكل هو الأسو في عهد الرئيس الامريكي ترامب، وفي مقابلة له مع صحيفة الإندبندت البريطانية، قال هوبر بأنّ تصريحات ترامب حول تفوّق العرق الأبيض مقلقة ومخيفة في نفس الوقت.

 

إنّ حالة الكراهية التي يتم تغذيتها بشعارات سياسيوية غالبا من تكون بدافع انتخابي أو أيديولوجي أو ديني، تساهم بشكل مباشر في ترجمة هذه الشعارات إلى حركات عنيفة قد تأخذ شكلا معنويا كالسب أو الشتم أو التحقير.. ولكن الأخطر من ذلك تجاوز العنف المعنوي المُدان إلى عنف مادّي يصل حدّ الضرب ومنه يأخذ شكلا أكثر دموية وهو القتل كما حدث في النرويج أو ألمانيا ومؤخّرا في نيوزيلندا. والمؤشّر الخطير على تنامي حالة الكراهية والعنصرية، ذلك البيان الذي تخطى عتبة السبعين صفحة ولعلّ أخطر ما جاء فيه قول تارانت: للغزاة أن بلادنا لن تكون بلادهم أبداً، وأن أوطاننا ملكنا، وأنَّه ما دام هناك رجل أبيض لا يزال حياً، فلن يحتلوا أرضنا أبداً ولن يقيموا مكان شعوبنا.

في الختام، ما من إنسان يحمل في كيانه ذرّة من الغنسانية يقبل المسّ بالحرمة المعنوية والمادّية لباقي البشر، ومهما اختلفنا لا يجب أن يكون القتل مبرّرا لفرض الإرهاب كخيار استراتيجي للتعبير عن وجهات النظر أو الأيديولوجيا. إنّ كلّ الديانات سواء الوضعية أو السماوية تلزم الإنسان باحترام الإنسان بعيدا عن فرض وصاية ما وتحت أي ظرف من الظروف. وليعمّ السلام هذه الأرض.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.