شعار قسم مدونات

الحراك الشعبي والسلطة في الجزائر بين الواقع والحلول

blogs الجزائر

في خضم تسارع أحداث الحراك السياسي في الجزائر وتبلور معطيات الأحداث الراهنة في شكل مخرجات للنظام السياسي الجزائري التي أفضت إلى تعهد الرئيس الحالي بسحب ترشحه لعهدة خامسة مشروطة بتأجيل الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في 18 أبريل القادم وإنشاء مجلس توافقي يهيئ لبناء أرضية اتفاق بين السلطة والشعب تفضي في نهاية المطاف إلى إقرار التاريخ الفعلي للانتخابات، جملة هذه القرارات اعتبرها الكثير من فقهاء القانون أنها غير دستورية في حين اعتبرها الشعب التفافا واضحا على مطالبه المنادية بعدم ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ورحيل وجوه الفساد في النظام.

 

في اعتقادنا إن قرارات الرئيس وإن لم تكن دستورية وتعتبر التفافا صارخا لمطالب الشعب فإنها تُعبر عن مرحلة استباقية لتفعيل المادة 102 من الدستور الجزائري خصوصا في القسم التالي الذي ينص على أنه "إذا اقترنت استقالة رئيس الجمهوريّة أو وفاته بشغور رئاسة مجلس الأمّة لأيّ سبب كان، يجتمع المجلس الدّستوريّ وجوبا، ويثبت بالإجماع الشّغور النّهائيّ لرئاسة الجمهوريّة وحصول المانع لرئيس مجلس الأمّة وفي هذه الحالة، يتولّى رئيس المجلس الدّستوريّ مهام رئيس الدّولة خاصة وان الاجتماع الأخير الذي ضم رئيس المجلس الدستوري لم يكن اعتباطيا وبالتالي فان إقرار هذه الحالة لا تتنافى مع الدستور في حال تنفيذها قبل نهاية عهدة الرئيس الفعلية.

 

الرهان الكبير الذي وقع فيه الحراك الشعبي في مجابهة النظام سيكون عاجزا عن توحيد مطالبه وتوجهاته إن لم يتم مأسسته في شكل مؤسسة تعكس سلميته وعقلانيته وتضمن أحقية التعبير عن توجهاته خاصة

في سياق آخر أفضت مرحلة التوافق بين أجنحة النظام الجديد والقديم إلى إحالة الوزير الأول السابق أحمد أويحيى لتقديم استقالته وتعويضه بوزير الداخلية الأسبق نورالدين بدوي وخلق منصب نائب له ممثل في وزير الخارجية السابق رمطان لعمامرة هذه الثنائية في تسيير منصب الوزير الأول لها دلالة سياسية أكثر منها قانونية فهي تعكس نقطة الاتفاق التي تمخض عنها اجتماع أجنحة النظام قبل إعلان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لبيان عدم ترشحه ووعوده الرامية إلى إجراء تعديل جوهري يمس أعضاء الحكومة الحالية ومن جهة أخرى يشير هذا الفعل السياسي الذي قام  به بوتفليقة  تأسيس مرحلة استباقية لحفظ النظام السياسي وليس النظام البوتفليقي خاصة إذا عرفنا أن نص المادة 104 من الدستور تنص على أنه "لا يمكن أن تُقال أو تعدّل الحكومة القائمة إبّان حصول المانع لرئيس الجمهوريّة، أو وفاته، أو استقالته، حتّى يَشرَع رئيس الجمهوريّة الجديد في ممارسة مهامه. يستقيل الوزير الأول وجوبا إذا ترشّح لرئاسة الجمهوريّة، ويمارس وظيفة الوزير الأول حينئذ أحد أعضاء الحكومة الّذي يعيّنه رئيس الدّولة".

وبالتالي فإن الحكومة الحالية تحاول هيكلة أعضاء جدد تضمن سيرورة النظام السياسي وتتوافق ولو جزئيامع متطلبات الحراك الشعبي قبل إعلان عن حالة شغور منصب رئيس الجمهورية. كما أن عملية تأجيل الانتخابات وطرح فكرة ندوة وطنية مستقلة تعددية على رأسها شخصية وطنية مستقلة تقوم بصياغة مشروع دستور وتحديد موعد الانتخابات الرئاسية القادمة قدم فيها شخص الأخضر الإبراهيمي ورمطان لعمامرة كوجوه بارزة تعكس عقلانية النظام في تعامله مع الحراك الشعبي من منظور الحكومة الحالية في حين لم تهيكل لحد الساعة قوة الشارع والشعب في شكل ممثلين لها.

 

مأسسة الحراك الشعبي وحدود عقلانيته

قبل الحديث عن آلية مأسسة الحراك الشعبي الجزائر لابد أن نشير إلى أن المعطى العام أصل الأزمة الحالية هي نتاج انسداد تام لقنوات الاتصال الموجودة بين الشعب والسلطة والذي تتحمل فيها السلطة الحالية وعدد من الأحزاب المسؤولية الكبرى المتعلقة بمخرجات هذا الحراك الشعبي كون أن النظام السياسي وبغية فرض توجهاته قام بعملتي "الشرذمة والاحتواء" للعديد من الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني بالشكل الذي أفضى في نهاية المطاف إلى عزل مطالب الشعب عن قنوات الاتصال مما خلقا لنا هوة وفراغأولا على مستوى مدخلات النظام السياسيوثانيا على مستوى مخرجاته بشكل لا يتوافق كليا مع مطالب الشعب، وفي السياق نفسه أدت ظاهرة ارتباط ظهور الأحزاب السياسية في الجزائر بالمواعيد الانتخابية وانعدام الممارسة الديمقراطية داخل حيز الأحزاب السياسية نتيجة الممارسات الأبوية لبعض قيادي الأحزاب السياسية إلى استنساخ نفس الوجوه السياسية ونفس الخطابات الديماغوجية التي تتشابه في أطروحاتها وأولوياتها مما أدى بدوره إلى فقدان الثقة بمشروعية الأحزاب ودورها في الحياة السياسية وتشكل ذهنية لدى الفرد الجزائري مفادها أن معظم الأحزاب السياسية ما هي إلا أداة لخدمة مصالحها الشخصية، هذا المعطى العام أدى إلى خروج الملايين في شكل مظاهرات سلمية تكفر بقنوات الاتصال التقليدية وتفرض مطالبها بصورة مباشرة بعيدا كل البعد عن مجموع صيغ الديمقراطية الكلاسيكية غير المباشرة التي وضعها النظام كأداة اتصال مباشرة بالشعب (الأحزاب، المجتمع المدني، البرلمان).

 

لكن الرهان الكبير الذي وقع فيه الحراك الشعبي في مجابهة النظام سيكون عاجزا عن توحيد مطالبه وتوجهاته إن لم يتم مأسسته في شكل مؤسسة تعكس سلميته وعقلانيته وتضمن أحقية التعبير عن توجهاته خاصة في ظل عدم تقبل الحراك الشعبي لأي طرح متأتي من السلطة الحالية خوفا من أن تُحور مطالبه إلى آليات يستغلها النظام في إعادة إنتاج نفسه، هذا التوجس الشعبي المشروع وإن كان الأمر له نصيب كبير من الأحقية إلى أن مسألة تبنيه كمنظور غير خاضع للتفاوض سيقودنا حتما إلى صيرورة الحراك الشعبي نحو منطق اللعبة الصفرية البعيد كل البعد عن العقلانية.

 undefined

لهذا لابد أن يلتف مجموع الشعب بوعي تام ومُلم بنقاط عجزهم وقوتهم نحو تأسيس فعلي ومتكافئ لأطروحة النظام خاصة وأن النظام السياسي يخاطب الشعب عبر مؤسساته وليس أشخاصه فمصدر قوتهم هو المؤسسة وليس الأشخاص لهذا لابد من مخاطبتهم ومحاورتهم عبر نفس الآلية لتجنب أي صراع وتصدع لقوة الشارع وهذا عبر تأسيس لبنة ومؤسسة حزبية جماهرية يتبع لها هيئات كبرى من مؤسسات مجتمع مدني لتغذيتها بجميع مطالب الشعب الجزائري بجميع أطيافه ومكوناته بحيث تخضع لرقابة الشعب وسلطته في حالة أي تذبذب يؤدي إلى خيانة ممثلي ومطالب الشعب لصالح السلطة بالإضافة إلى التعامل بعقلانية مع مجريات الأحداث السياسية بغية فرض وجهات نظر قادرة على إحلال نظرة توافقية بين مكونات النظام السابق والحزب الممثل لكافة أطياف الشعب كأساس فعلي لبناء نموذج منشود لأن أي عملية إقصاء أي طرف سواء لصوت الشعب أو النظام القائم من شأنها أن تؤجج معطى الصراع فأساس اللعبة لا يمكن أن يكون صفريا بل مُربحا لكلا الطرفين كخطوة أولية نحو بناء نموذج ديمقراطي يناسب وطبيعة البناء السياسي والاجتماعي الجزائري خاصة وأن الحراك السياسي السلمي في الجزائر يتناغم مع هذا الطرح البعيد كل البعد عن تغليب نموذج العنف كحل لهذا الصراع.

 

مما سبق يمكن أن نستنتج أن حجم التمايز وعدم تكافؤ الفرص بين السلطة والشعب نتيجة تهيكل طرح السلطة في مؤسسات سياسية ودستورية وانبثاق المطالب الشعبية من الشارع في إطار غير مؤسسي تختلف فيه الآراء والتوجهات في خضم عدم وجود إطار كفيل يحمي المطالب الشعبية برمتها وجميع يجعل من الشعب هو الطرف الأضعف في المعادلة وإن كانوا هم الأغلبية لأن حتى وإن تقرر الالتفاف حول شخصيات وطنية معروفة فإن الإطار الذي يكفل عدم تغير مواقفهم هو رمزي وليس مؤسسي لهذا لابد من بناء إطار مؤسسي يتمثل في حزب سياسي يصطلح عليه مثلا (حزب الشعب الوطني) وإن كان في الفترة الراهنة غير مجسدا يكفل جميع المطالب الشعبية ويجمع تحت قبته جميع التوجهات السياسية الدينية والعرقية دون أي تمييز أو إقصاء لأي توجه أو فئة وفق منظور يُخضع فيه جميع المنتسبين والممثلين للشعب إلى إطار مؤسسي واحد مصدر شرعيته تعود للشعب وحده وهو ما سيؤدي في نهاية المطاف إلى انتقال سلس في مسار العملية الديمقراطية في الجزائر بالإضافة إلى ضمان الإشراك الفعلي لصوت المواطن عبر 48 ولاية جزائرية .

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.