التجربة الديمقراطية الجزائرية بين الشعبوية والتمثيل

هل يُمكننا الحديث عن انتقال ديمقراطي وشيك في الجزائر؟ لا تُبنى الديمقراطية على أشلاء هشّة من النظام القديم، وإلاّ ستتحول إلى الاستبدادية الجديدة، وهذا ما حصل في الجزائر عندما أدخل النظام تغييرات في الحكومة، وكأنّه يستفز الشعب لامتصاص المزيد من الوقت ليس للبناء والتشييد، بل من أجل لملمة ما تبقّى من أموال الخزينة وكذا اتلاف الأوراق التي تُدين العصابة، نعم إّنها الحنكة السياسية حينما تأخذ مُنعرج الشر.

الحديث عن الديمقراطية في هذه الأثناء ليس بمنطقي، فالنظام لم يسقط حتى ننتقل إلى المرحلة الانتقالية التي تشهد عدة خطوات أهمها بناء العدالة الاجتماعية ومحاسبة اللصوص، إنّها مرحلة جد حرجة تُراودها الانتكاسات من كلّ اتجاه، هي مرحلة بناء الثقة. التعريج على زيارة رمطان لعمامرة إلى موسكو من أجل إجراء مباحثات مع سيرغي لافروف حول تطورات الوضع في الجزائر، حتى لا أقول أزمة مثل ما يُروّج لها الإعلام، الجزائر ليست في أزمة ولن تبلغها بإذن الله، أمّا إن كان الأمر مُتعلّقا بأزمة مصالح بين الأنظمة فذاك يعني النظام المرفوض من الشعب.

من الصعب التنبّؤ بما سيحصل في الأيّام القادمة، فالجزائر مُختلفة لها خصوصيات مجتمعية تعنيها هي فقط، لكل بلد تجربته الخاصة، وما حصل في الدولة (أ) لا يعني أنّه سيجري بذات المجرى في الدولة (ب)

القوى التي بسطت نفوذها في الجزائر من سنون طويلة لن تكل أو تمل من إجراء مثل هذه المحادثات لأنّ ما يُحرّكها حاليا هو الحفاظ على بقائها بذات السيطرة أو أكثر، لا يعنيها الشعب الجزائري الذي يُناضل من أجل حياة أفضل، وشئنا أو أبينا لن ترضا الدول الكبرى بتطورنا وازدهارنا، فمحصولها من الثروات سيخضع لميزان محدد إن لم يخضع للرفض الشعبي لو حصل وتحقق سيناريو الديمقراطية في القريب ولن نكون مثاليين فالمسار طويل بدايته تغيير جذري في الهرم السلطوي، وهذا ما لن تسمح به القوى الخارجية وستسعى لإجهاض الحراك الشعبي وبث الفتنة في صفوفه، وما علينا إلاّ الحذر والتمسّك بأيدينا فإفلاتُها يعني وأد الوطن.

المطروح حاليا على مواقع التواصل الاجتماعي التي كان لها الدور في تنظيم مظاهراتنا، فالشباب ها هنا أظهر وعياً وقف العالم مشدوهاً أمامه، من الطبيعي أن يحدث ذلك فالشعب الذي يقرأ لا يجوع ولا يُستعبد وهذا ما أثبته الحراك الشعبي الذي بدأ بتوزيع الياسمين وتطور ليتم توزيع الكتب، نعم فالثورة الفكرية التي شهدتها الجزائر في السنوات الأخيرة من خلال تشييد مكتبات الشوارع وكذا ولادة دور النشر أعطت نتيجة إيجابية، ونحن في هذه الأثناء بحاجة لكل ما يدفعنا للأمام ويبث فينا الثقة وليس العكس.

يمكن القول أنّ مُصطلح الشعبوية السلمية فرض نفسه في الحراك الديمقراطي الجزائري، سنسميه هكذا لأنّه مُنطلق لبناء تجربة يُحتذى بها مُستقبلاً، الشعب مثّل نفسه ولم يخضع لأيّة جهات تنظيمية تنطق باسمه، بل الشعارات التي رفعها كانت بياناً ذكرّنا ببيان أول نوفمبر، هذا الشعب الثائر لا يرضا بالاستعمار مهما كان شكله أو الثوب الذي يحتمي داخله. طرأت بغتة مسألة تمثيل الحراك، حيث بدأت تطفو مجموعة من الحركات على السطح، وانتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن أصوات شعبية تُساندها، ليُثبت هذا الأخير جدارته، فلا أحد بإمكانه التحرّك دونما شرعيته.

لكن الجدل الحاصل يبعث بالخوف، ما يفتح المجال لشق صفوف الشعب، وهذا أمر يخدم النظام القائم حالياً، قد تكون هناك حركات نواياها حسنة تُريد تمثيل الشعب وليس قيادته، لكن دائما ما نجد عناصر تستغل الوضع من أجل التغلغل وبث أفكارها في صفوف الجماهير، حقيقة هذا الأمر وضعنا في حيّز ذو اتجاهات عديدة، لا نملك بوْصلة حالية تدُّلنا، بل كلّ ما نملكه هو شعاراتنا واصرارنا على رحيل النظام. التمثيل أمر إيجابي، لكنّه أكثر فاعلية حينما يرحل النظام المرفوض شعبياً، حينما تبدأ المرحلة الانتقالية سنفتح المجال للاختيار، ولابدّ أن نضع الشخص المُناسب في المكان المُناسب ولا مكان ها هنا للمجاملة أو التصفيق، بل المجال للأصلح والأفضل.

من الصعب التنبّؤ بما سيحصل في الأيّام القادمة، فالجزائر مُختلفة لها خصوصيات مجتمعية تعنيها هي فقط، لكل بلد تجربته الخاصة، وما حصل في الدولة (أ) لا يعني أنّه سيجري بذات المجرى في الدولة (ب)، لا نُريد من يُذكّرنا بالماضي الأليم، نحن بأمس الحاجة للأفكار البنّاءة في كل وقت وحين، بحاجة للأمل والتفاؤل وقبل كل شيء عدم التفريط في وحدتنا مهما وقع، فقد بدأنا ولا مجال للتراجع الآن فالخيبة لا تليق بشعب الجزائر، والاستجابة من النظام قد تقصر وقد تطول، لم نعد نثق في تحرُّكاته والأكثر لا نثِق في صمته، فبعد حراك 15 مارس 2019 لم يخرج النظام للحديث إلى الشعب، بل توجّه إلى الخارج لا أدري إن كان ذا مُراد استفزازي تجاهُلي للوضع الداخلي، أو أنّه بمثابة استنجاد يرمي إلى قمع الشعب في الأيّام القادمة.

الشعبوية السلمية عنوان حِراكنا، الذي وضع الشباب في خانة الوعي، برهن لنا كجزائريين أنّه بإمكاننا تحقيق ما عجز عنه الكثيرون، ليس لأنّ التجارب العربية الأُخرى فاشلة، لا وألف لا، فالشعوب العربية تحرّكت من أجل حُريتها وهذا حقّها لكن الأنظمة وحلفاؤها قمعتهم واستنزفت طاقتهم، وعليه يجب ألاّ نسمح باختراق صفوف الشعب السلمية، ألاّ نسمح للطائفية بالانتشار في أوساطنا الشعبوية.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة