هل العمل الأدبي فن أم علم؟

blogs كتب

يظهر النص الأدبي -سواءً كان شعرًا أو رواية أو قصة… الخ- للقارئ بتلك الصورة الجميلة المنمقة، ولكنّه يكون قد خاض حربًا ضروسًا حتى يصل إلى تلك الصورة؛ حربًا ربما لا يعلم القارئ عنها شيئًا، والكثير من النصوص لا تصل للقارئ، وتُجهَض باكرًا نتيجةً لهذا الصراع. إنّ تلك الحرب التي قَصَدْتُ هي صراع الناقد والكاتب؛ صراع زوايا الرؤية بين من يقرأ النصّ من وجهة نظر العلم ومن يقرأه من وجهة نظر الفن، ليبرز ذلك السؤال المحوري جوهر هذا الصراع: هل العمل الأدبي فن أم علم؟

تفتح الإجابة البابَ على خلاف فلسفي قديم، بدأتْ بواكيره بين أفلاطون وتلميذه أرسطو، فأفلاطون كان يربط محاكاة الفن بنظرية المُثُل، لذلك كان يجد طريقة ما ليقيس العمل الفني، فبالنسبة للشعر مثلًا؛ كان الوزن هو المقياس الأنسب -لم تكن القافية قد ظهرت في ذلك الوقت- بينما أرسطو كان يرى المحاكاة كفن بحت، يُحاكي المشاعر، بغض النظر عن الطريقة التي يتم بها، وينبغي للمحاكاة أن تدور حول فعل إنساني، لذلك كان أفلاطون يرى أنّ النظم ذو المحتوى العلمي -مثل نظم موضوع في الطب أو العلوم بشكل موزون، وهو ما كان رائجًا في الحضارة الإغريقية- يُعدُّ شعرًا، بينما رأى أرسطو أنّه ليس كذلك، لأنّه خالٍ من الفعل والعواطف.

العمل الأدبي ليس علمًا صرفًا، ولا فنًا محضًا، فهو ذلك الخليط بينهما، وهو إبداع لا يتمّ إلّا برؤية الأكاديمي، وعبقرية الكاتب، وصقل الناقد، ومن شأن الشروط التقنية الخاصة بالعمل الأدبي أن تزيد جماله

بلغ هذا الصراع ذروته نهاية القرن العشرين، مع بَدْء الإنسان بالبحث عن المزيد من الحرية، وحصوله على العديد من الحقوق، وارتفاع درجات المجتمعات على مقياس الفردية، مما أدّى إلى ظهور الاتجاهات الرافضة للتقاليد التقليدية، ثمّ تَعَدّي الرفض للاتجاهات التقليدية، ووصوله إلى علم المنطق، بظهور السريالية. والوسط الأدبي يحتاج للمزيد من التوضيحات في شأن علاقة الناقد بالفنان، خصوصًا في ظل تعدي العلاقة حدود الصراع العلمي واختلاف المدارس، ووصولها إلى الاتهامات المتبادلة، وتنامي التيارات الداعية لقطعها تمامًا، إنّ علاقة الناقد والفنان بالنص هي علاقة اختلاف مفهوم النص لديهما، فالأول يراه علمًا، والثاني يراه فنًا، فما هو النص؟

إنّ ارتفاع الفنّ وسموّه بالمشاعر الإنسانية، لا يعني تجرده من شروط علمية تحكمه، وحرية الإنسان لا ينبغي لها الوصول إلى الفن، حتى الإبداع يجب أن يكون مدروسًا ومبنيًا على مدرسة علمية راسخة، وإلّا تحوّل النص لأمر نسبي، وفقَدَ خاصية كونه أداة للتواصل بين الناس، واستحال لشيء غير قابل للقياس، وبالتالي غير قابل للمقارنة، ليصبح المبدع غير قادر على معرفة مكانه الحقيقي بين الآخرين، ولا تتبع تطوره.

إنّ ما يعيب السريالية والحداثة أنّها ليست اتجاهات، بل هي مجرد رفض للاتجاه التقليدي السائد؛ رفض غير واضح المعالم، فهي لم تقدم طريقة واضحة ودقيقة لصنعة العمل الأدبي، ولعل نموذج قصيدة التفعيلة كان الأكثر وضوحًا، بالرغم من ارتفاع درجة النسبية فيه أيضًا.

والنسبية في الفن أمر خطير، وينبغي لها أن تتواجد بأقل مستوياتها الممكنة، وحتّى دُعاتها أيضًا لا يستطيعون تقديم نموذج فني بدون ثابت واحد على الأقل، فهذا أرسطو نفسه لم يكن نسبيًا تمامًا، بل تحدث عن ثابت بنى عليه مفهوم الشعر، وهو الفعل. والنسبية كفيلة بتوسيع دائرة من يطلقون على أنفسهم فنانين وأدباء، وتلك الشروط التي يرفضها الفنانون هي نفسها التي تكفل للفنان الحقيقي هذا اللقب، وتضعه في مكانه المناسب، فالأولى له المثابرة -والتي لا ينجح في مجاله أحدٌ بدونها- وعليه أن يتجاهل ذلك الناقد الذي يتخذ من النقد وسيلة لإبراز ذاته والتشدق بالسلطة غير الرسمية التي يمنحها له النقد.

إنّ العمل الأدبي ليس علمًا صرفًا، ولا فنًا محضًا، فهو ذلك الخليط بينهما، وهو إبداع لا يتمّ إلّا برؤية الأكاديمي، وعبقرية الكاتب، وصقل الناقد، ومن شأن الشروط التقنية الخاصة بالعمل الأدبي أن تزيد جماله، وأن تتكفل بفرز الكتّاب من المدعين، ولم تكن يومًا هادفةً لإعجاز الكتاب، بل لإنصاف المتميزين منهم، وهي هوية العمل الأدبي، بدونها يفقد شخصيته، ويحقق غايته المرجوّة منه.