فزاعة إرهاب التسعينات إنتهت صلاحيتها

blogs الجزائر

مادة الإرهاب إلى الآن مستهلكة في تكوين استقطاب للأتباع لتوحيدهم في المؤسسات الأمنية الجزائرية كالجيش والشرطة أو تستعمل لتكتيل الشعب وزجره وحضه على أمر ما وهذا في الخطابات بعض المسؤولين أو الموالين للعهدة الخامسة في الجزائر.

  

ولا يدري هؤلاء أن مادة الإرهاب لم تعد ذات مفعول أصلا فتخويفهم بالإرهاب تخويف سياسي لفظي محض فالإرهاب الذي هو ظاهرة اجتماعية لديها أسبابها وطرق تشكلها ضمن الديناميات الاجتماعية والذي هو في خطاب الساسة لفظ تطلقه الجهة المتغلبة على الفئة المتمردة وخاصة إذا كان من أيديولوجيا مناقضة لها: عناصر تشكله من استقطاب وقمع عنيف وأيديولوجيا حاضنة وغيرها من الأسباب لا يتوفرها مجتمعنا اليوم وقاعدته الشبابية الحالية بل فقدها المجتمع تماما منذ عشرين سنة بسبب تعاف ذاتي أو بسبب عوامل خارجية ويظهر هذا جليا في مستوى وعي المسيرات والاحتجاجات التي تنشأ هنا وهناك منذ 2011 إلى اليوم وكذا طبيعة الشعارات والهتافات والتأطير الذي تحظى به أحيانا فإذا كان الشعب رافضا لتشكيل العنف الجسدي فمن أين سيأتي الإرهاب الشعبي؟

 

هذا الجو الذي يشكل وعي الشباب الحالي لا ينفع معه خطاب مستهلك ومتهالك وغير معاصر وغير واقعي وسهل الفضح والكشف خطاب تفتتت فزاعته منذ عشرين سنة

إن هذا الخطاب المستهلك غير مفهوم عند الطبقة الشبابية الجديدة المنفتحة على التكنلوجيا المنفتحة على الدول الأخرى ونهضاتها الاقتصادية وتجاربها الناجحة، والذي لم يتربى أصلا لا على خطاب إسلامي أو اشتراكي أو ليبيرالي بل إن أولئك الذين عايشوا الإرهاب بكل تجلياته يقارب عمرهم الخمسين سنة وهم اليوم أقلية أما نحن الشباب الذين كانت طفولتهم أثناء العشرية فهناك ذكريات قد تساعد على الربط بين الأحداث الحالية لاستحضار خوف سبق أن عشنا في جوه حتى لو لم ندركه كسماع قرع نعال الجيش في الحي أو ما شاهدناه من أشلاء أطفال الكشافة على التلفاز أو الاعتقالات التي تطال الناس وسماعنا عن الضرب والتعذيب في مراكز الشرطة الذي تعرض له بعض الأقارب أو تكرار سماع كلمة قتلوه" أو ذبحوه! لكن سرعان ما تبددت المنعكسات الشرطية لهذه المثيرات في مراحل النضج الأخرى بسبب عوامل كثيرة أهمها النسيان.

 

لكن الجيل الجديد من الشباب من مواليد 2000 أو 1999 أو حتى 1995 هل يدري معنى الإرهاب وهو لم يعايش حدثا واحدا منه اصلا؟ بل إن كثيرا منهم يتداول هذه الأخبار كما نتعامل مع الغولة والبعو -مخلوقات خرافية- فهل سيعرف من هو بوعلي أو زيتوني أو حتى العربي بلخير؟ بل إنه بالكاد يعرف ياسر عرفات واليمين زروال!

 

فقد تشكل وعي الشباب بشكل لم تعهده السلطة ولا مؤسساتها ولا خطابها الحالي بفضل الإعلام البديل كالصفحات (المضادة للشيتة والمهتمة بالواقع السياسي..) والفيديوهات (كليبات لطفي دوبل كانو وديزاد جوكر وأنس تينا وغاني مهدي..) والمواقع (مدونة قناة الجزائر وAlgerie focuse) وسهولة تداول الكتب (شهادات عن الواقع السياسي وعن التاريخ السياسي..) أو حتى بسبب بعض المسلسلات (عاشور العاشر..) والقنوات الخاصة (المغاربية، رشاد..) أضف إليه ذلك الاستغباء الذي تمارسه السلطة بممثليها الذين يبدون في مواقف تخل بطبيعة مقام خطاب مسؤولين مرموقين في السلطة (كتصريحات سلال وبن غبريت والموالين للسلطة كعمارة بن يونس وبن حمو ونعيمة صالحي..) والذي ينكشف بسرعة لدى الجيل الجديد من الجزائرين فيتحول في أقل من أربع وعشرين ساعة إلى مادة للسخرية ولتصميم الـ memes وضف إلى ذلك الوضع الاقتصادي المزري من تراكم الخريجين وتضخم البطالة ومشكلة السكن وغيرها.

 

وأيضا الجو الثوري الذي وفرته الثورات العربية فأخذ يمتد ليشمل حتى هالات مقدسة وطنية كاتفاقيات إفيان ومؤتمر الصومام وفترة حكم بومدين بل للأسف وصل التمرد حتى إلى بعض المسلمات الدينية عند فئة قليلة من الشباب. إن هذا الجو الذي يشكل وعي الشباب الحالي لا ينفع معه خطاب مستهلك ومتهالك وغير معاصر وغير واقعي وسهل الفضح والكشف خطاب تفتتت فزاعته منذ عشرين سنة وأصبح أقرب للروايات الشعبية بل أصبح مادة للسخرية مثله مثل التخويف بالأيادي الخارجية والرطوبة التي تتسبب دائما في خسارة الفريق الوطني. إن فزاعة الإرهاب قد ألقتها رياح الزمن بعيدا!