مذبحة نيوزيلندا.. عندما تصبح لعبة الببجي واقعا مرعبا!

على أنغام أغنية إبادة الإنسان التي سمعها ثمانية آلاف شهيداً في "سربرنيتسا"، وكتابات المفكر اليميني الفرنسي "رونود كامو" الذي اتخذ المجرم من كتابه "الاستبدال العظيم" واجهةً وعنواناً لبيانه الإجرامي الشعوبي العنصري الأبيض، خرج سفاح نيوزيلندا "برينتون هاريسون تارانت"، البالغ من العمر 28 عاماً بسلاحه الرشاش الملطخ بالحقد والثأر، وإصداره العنكبوتي المروّع من باتل جراوند PUBG إلى محراب المصلين الآمنين في "كرايست تشيرتش" في جمعة ليست كسابقتها، قاصداً مسجدي النور ولينوود موقعاً 50 شهيداً وعشرات الجرحى جلهم في حالة الحرج الشديد.

 

ومع أن كل قوى الأرض لن يكون بمقدورها إعادة الأرواح المزهقة إلى قيد الحياة أو جمع الشهداء بأبنائهم وأزواجهم وذويهم، إلا أن هذه الجريمة المروعة تعيد إلى السطح مجموعة من التراكمات التي أوصلت المهاجرين؛ لاسيما المكون الإسلامي إلى حالة من المواجهة والاحتراب الفكري والثقافي والاجتماعي القائم على نزعات نازية تصفوية تمجد العرق الأبيض وترفض أي وجه من وجوه الانصهار أو التعايش مع المجموعات العرقية والمكونات الأيدولوجية الأخرى.

 

المتأمل في مسار الأحداث في العقدين الأخيرين يدرك دون أدنى عناء أن أوروبا باتت تميل نحو اليمين بظهور مجموعة من القوى والأحزاب السياسية المتطرفة التي تنادي بسمو العرق الأوروبي، وتحذر من اختلاطه بأي عرق دخيل يمكن أن يؤدي في النهاية إلى هلاك أصحاب البشرة البيضاء وضياع الهوية. ومع الضخ الإعلامي والسياسي الموجه بدأت هذه الدعوات الإحلالية تجد طريقها إلى وجدان وعقول الكثير من الأوروبيين المتخمين بتاريخ حافل من الصراعات الدينية والحروب العسكرية والصدامات الحضارية والنظرة الدونية لبقية الشعوب.

 

صحيحٌ أن أوروبا التي عانت من الحروب الدينية والصراعات القومية قد نزعت في مرحلة استثنائية من تاريخها إلى سياسة البوتقة المنصهرة والاندماج الإثني والثقافي والاجتماعي، إلا أن الكثير من الساسة الأوروبيون باتوا يستشعرون الخطر الشديد من تزايد أعداد المهاجرين المسلمين وارتفاع معدلات الخصوبة بينهم في ظل تلاشي أعداد المواليد الأوربيين وتمحورهم حول الفردانية والمادية واللذة؛ الأمر الذي يهدد بانقراض القومية البيضاء وتحويلها بمرور الزمن إلى أقلية في بلدانهم أمام طوفان المهاجرين الملونين.

   

  

وبما أن العقلية الأوروبية بدأت تناصب القوميات والأعراق الأخرى العداء، فإن القلق والهاجس من التمدد الرأسي والأفقي للقوى الإسلامية أصبح هو الباروميتر الذي يحكم سلوك الأوربيون؛ فالإسلام هو أكثر الديانات السماوية سرعة في الانتشار، وهنا مكمن الخوف والرعب الذي لا يتمثل في زيادة أعداد المهاجرين المسلمين وحسب بل في الإقبال الشديد للكثير من الأوروبيين على اعتناق الإسلام؛ وما يترتب عليه من انهيارٍ كبيرٍ في الصفائح التكتونية للمسيحية التي ما انفكت تعاني من نزيف بشري دائم لصالح التوسع الإسلامي.

 

فالمجرم لم يأتي هذه المرة من خارج الحدود أو من كوكبٍ مجهول النسب، ولا ومن أعراق وجنسيات أخرى بل من قلب التكوين المسيحي الذي بدأ يرسم ملامحاً أكثر تطرفاً ودمويةً لعلاقته مع المجتمعات والديانات والثقافات الأخرى. فما هو الآخر في مفهوم هذا المجرم إذن؟ إنه المهاجر المسلم الغازي الذي لا يستحق سوى بضع رصاصات في رأسه وصدره وهكذا تنشأ العبرة والخوف وتحمي أوروبا نفسها من الفناء!

 

صار العدوان على المساجد والمسلمين في الحقبة الاخيرة فلكلوراً قومياً وطقوساً دينيةً يثبت الجناة حبهم المزيف لأوطانهم والتزامهم الخرافي بتعاليم دينهم الذي كتبه شياطينهم وردده الكهنة وآمن به الحمقى

لكن أوروبا لم تستطع هذه المرة أن تصف مجرم نيوزيلندا بالمجنون والمختل عقلياً أو أحد رواد المصحات النفسية والعصبية؛ فالقاتل معافى الجسم والعقل وواضح التوجه ومؤمنٌ بجريمته ومستعدٌ لتكرار هذا الفعل الشنيع إذا ما سنحت له الفرص بذلك. كيف لا يكون كذلك وقد ترك القاتل خلفه وثيقة الاحلال العظيم والسمو العرقي الأوروبي وقطعاً من البنادق ملطخةً بالرموز والإشارات والأحداث التي تمجد منعطفات فاصلة في الصراع الغربي مع العالم الإسلامي، وينحني إجلالاً لقتلة مارقين مارسوا الإبادة والذبح بحق المجتمعات الإسلامية في النرويج وكندا وإيطاليا وغيرها من بلدان العالم، ويرى في "ترمب" القائد الملهم المخلص لأمريكا وأوروبا من ظاهرة التلوث العرقي التي تقوّض هيمنة الرجل النبيل، وتسمح لدماءٍ فاقعة الزرقة بالتدفق إلى خلايا وحواضن تصيب الجسد الأوروبي بالتجلط والموت المحتوم.

 

لم تعد كرايست تسيرتش مدينة هادئة لا نسمع عنها في وسائل الإعلام أو مانشيتات الصحف بعد أن تدرجت حروفها بدماء المصلين الأبرياء الذين مزقت أجسادهم صليات الرصاص الغادر، وطالتهم أيدي المجرم الآثمة في محراب الطهر والعبادة المدفوع بالكثير من الأيدولوجيا المفخخة التي أذكى نارها الحالمون بتطهير البشر وسحق الأعراق والثقافات والأفكار المخالفة دون رحمة ولا شفقة. ومع أن هذه النظرة العنصرية الشعوبية المقيتة تقود العالم وأوروبا ذاتها إلى الصدام المحتوم وتعيد استنساخ فصول الحروب الدينية المدمرة ومشاهد الحروب العالمية، إلا أن الفاشية الدينية والثقافية المعتقة بالأحقاد والهواجس تسير في خط تصاعدي ينذر باقتراب الكارثة.

 

صار العدوان على المساجد والمسلمين في الحقبة الاخيرة فلكلوراً قومياً وطقوساً دينيةً يثبت الجناة حبهم المزيف لأوطانهم والتزامهم الخرافي بتعاليم دينهم الذي كتبه شياطينهم وردده الكهنة وآمن به الحمقى والعامة باعتباره ديناً سماوياً مقدساً لا يقبل النقد والتحريف، وفي كل جريمة يظهر أرباب الفاشية الدينية ولعهم بقهر الانسان وتحطيم معاني الأخلاق والفضيلة، فتارة يفرغون أمشاط الرصاص في رؤوس المصلين، وثانية يلقون رؤوس الخنازير وأكوام القمامة إلى المساجد، وأخرى يحطمون أثاث المساجد ويمزقون القرآن الكريم أو تقوم السلطات تحت ضغط الشعوبية المتزايدة والفاشية الدينية المتراكمة بإغلاق المساجد وسحب تراخيصها.

  

المعضلة لا تكمن في تهاون السلطات الغربية في توفير الحماية المادية والمعنوية للمسلمين، أو التصدي لمشاعر وخطابات الشيطنة والتحريض التي تطلقها الكثير من المنابر السياسية والفكرية والثقافية في الغرب، أو تفكيك أكذوبة "الاسلاموفوبيا" التي يستقبلها المتلقي الغربي بكثير من المفاهيم المضللة، وإنما في الترويج المفتعل والترهيب السقيم الذي يتبناه الساسة والإعلاميون والمفكرون العرب باعتباره المرتكز الحصين لكسب ود الغرب واستئصال المعارضة ذات النزعة الإسلامية التي باتت تتخذ من البيئة الغربية حاضنة لفضح الأنظمة وإسقاط مشروعيتها. وبذلك لم تكن مذبحة نيوزيلندا الرهيبة هذه حدثاً فردياً عارضاً أو موقفاً مزاجياً دخيلاً على الثقافة الغربية بقدر ما هي انعطافٌ عنصريٌ فاشيٌ يقف خلفه الكثير من المتورطين والمشبوهين.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة