زيارة روحاني للعراق.. تثبيت لسيطرة الميليشيات أم مجرد تعاون اقتصادي؟

في صباح يوم الاثنين الحادي عشر من آذار/مارس الشهر الجاري، قدِم الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى العراق في زيارة تعد الأولى من نوعها منذ توليه سُدة الحُكم في إيران عام 2013. والذي لفت الانتباه، أن الزيارة كانت لأهداف إيرانية استباقية، تمثلت في كسب تأييد الموقف العراقي له أمام العقوبات الأمريكية من ناحية وتثبيت جسور التواصل بين البلدين في كافة المجالات من ناحية أخرى. والمتابع للشأن العراقي، وما يدور فيه من صراعات أيدولوجية وجيوسياسية منذ زمن بعيد، يجد أن العراق يعاني من وطئة الفساد المستشري على كافة الأصعدة، والذي طال معه كل المؤسسات داخل الدولة، ما أدى إلى تردي الحالة المعيشية لدى الشعب العراقي صاحب التاريخ المشرف.

وخلال تلك الزيارة كانت هناك على أجندة روحاني إلى بغداد عدة رسائل، منها ما هو موجّه للداخل العراقي ومنها ما هو للخارج بقسميه الإقليمي وخاصة "العربي" والدولي وخاصة "الأمريكي". لم تخل الزيارة من مد الجسور الدينية مع المراجع الشيعية داخل العراق، فقد قام في النجف بزيارة كلا من: المرجع علي السيستاني، والمرجع محمد اسحاق الفياض والشيخ بشير النجفي ومحمد سعيد الحكيم، كرسالة يؤكد من خلالها على تقارب الفكر الشيعي بين إيران والعراق. وقبل سرد تلك الرسائل سوف نستعرض بعض ما جاء في كلمة روحاني بشيء من الرد والتحليل فيما هو آت: ماذا جاء في خطاب روحاني؟

عندما يريد أن يلبس نفسه لباس الفضيلة يعلق شماعة الإجرام على أمريكا والكيان الصهيوني، ويتناسى عمدا جرائم دولته التي ملئت بها بلدان عربية عدة وعلى رأسها الدولة العراقية

ما جاء في خطاب روحاني حسب ما ورد في وكالة "تسنيم" و"إرنا" الإيرانيتين وبعض وسائل الإعلام المحلية كالتالي:
• "العلاقات بين إيران والعراق خاصة جدا"، بكل تأكيد أنها خاصة وما وصل العراق لحال يرثى له الآن، إلا من جراء التدخل الإيراني السافر به ودعمه للمليشيات المسلحة هناك.

• "وقفنا إلى جانب الشعب العراقي في الأيام الصعبة، والآن نعود ونقف إلى جانب الشعب العراقي خلال أيام السلام والأمن التي ينعم بها العراق"، أي سلم وأمن يتحدث عنه روحاني، ألا يعلم أن العراق أصبحت مدمرة وتعاني الفساد في جميع مناحي الحياة، ألا يعلم أن العراق أصبحت الآن "شيعية – شيعية" أما البقية الأخرى من المكونات كنوع من الديكور فقط لتزيين المشهد السياسي وليضفي عليها شيء من الديمقراطية الكاذبة وفقط؟!

• "العلاقة بين إيران والعراق لا يمكن مقارنتها بدولة محتلة مثل الولايات المتحدة، المكروهة في المنطقة، القنابل التي أسقطها الأمريكيون على العراقيين والشعب السوري وبلدان أخرى في المنطقة لا يمكن أن تمحى من الذاكرة، وسيبقى الموقف الأخوي الإيراني تجاه بلدان المنطقة في الأذهان". ليس من الذكاء استغباء الشعوب، فكيف لك أن تتحدث عن أمر "الاحتلال" وشعوب المنطقة تعاني الأمرين من احتلالكم؟! كيف لك أن تصف الولايات المتحدة بدولة احتلال وأنها مكروهة وأنها تقصف الشعب العراقي والسوري، فما حال الشعب العراقي والسوري واليمني واللبناني من جرائم احتلالكم، منا ببعيد.

• وبحسب وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية (إرنا) قال روحاني "الأمريكيين يبحثون عن إثارة الإيرانوفوبيا، وهم يبحثون دائما عن الخلافات والانقسامات بين دول المنطقة بسبب مصالحهم الخاصة والحفاظ على الكيان الصهيوني". عندما يريد أن يلبس نفسه لباس الفضيلة يعلق شماعة الإجرام على أمريكا والكيان الصهيوني، ويتناسى عمدا جرائم دولته التي ملئت بها بلدان عربية عدة وعلى رأسها الدولة العراقية.

• وبحسب مصادر إعلامية أخرى قال روحاني: "والذي يهمنا هو استقرار العراق وأمن العراق والديمقراطية التي نراها في العراق ونعرف أن العراق الآمن هو العراق المستقل والعراق المستقر هو له دور كبير في توفير الأمن والاستقرار في هذه المنطقة". أي استقرار وأمن وديمقراطية يتحدث عنه في العراق؟! لا أظن أن العراق الذي يعاني من فساد المؤسسات وجرائم المليشيات واستيلاء العصبات، ينعم بشيء ولو ضئيل من الأمن أو الاستقرار أو حتى الديمقراطية.

هل أصبح العراق مستعمرة إيرانية؟

تحدث روحاني خلال كلمته عن العلاقات المتعلقة بالعراق في كل الحقول وكافة المجالات، التجارية والاستثمارية وإقامة المدن الصناعية والسياحة الثنائية بين البلدين والطاقة والغاز والكهرباء والبترول، والمصارف والخدمات المصرفية والفنية والهندسية والتقنية، وفي مجال الطرق والسكك الحديدية والممرات المائية، وكذلك القضايا المتعلقة بالبيئة والقضايا السياسية والإقليمية والدولية.

فإذا نظرا لكل هذا الكم الهائل من الملفات، تجد أن روحاني يتحدث عن مستعمرة إيرانية وليس عن دولة لها استقلاليتها، الأمر الذي علق عليه مرجعية النجف "علي السيستاني" في بيان من مكتبه عقب زيارة روحاني للمرجع قال فيه: "نرحب بأي خطوة في سبيل تعزيز علاقات العراق بجيرانه.. على أساس احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وقال أيضا: "أهم التحديات التي توجهها العراق هي مكافحة الفساد وتحسين الخدمات العامة وحصر السلاح بيد الدولة وأجهزتها الأمنية".

وكأن السيستاني يوجه ويؤكد لروحاني بأن ما وصل إليه العراق الآن، هو من تدخلكم في الشأن الداخلي للعراق، وأن المليشيات المسلحة التابعة لكم في العراق لا يجب أن تبقى على هذا الوضع. وبعيدا عن تحليل ما جاء عن مكتب السيستاني إلا أن ما جاء في البيان، أراه متزناً.

رسائل إيرانية مبطّنة

وفي هذا الخصوص أدلى الباحثين والمتابعين للمشهد العراقي بعض القراءات قبيل الزيارة وما بعدها ببعض الإسهامات، والتي كانت أغلبها تقتصر على العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين، إلا أن الزيارة كانت لها أجندة أخرى غير المعلن عنها، تضمنت رسائل مبطنة كان من أبرزها:

• تثبيت ودعم المليشيات المدعومة والممولة من إيران في الداخل العراقي.
• دعم الكتل السياسية والأحزاب ذات المرجعية الإيرانية داخل العراق.
• توجيه رسالة إلى السعودية وغيرها إلى أن إيران متواجدة وبقوة داخل العمق العراقي.
• توجيه رسالة إلى الولايات المتحدة بكسر عقوبات تلك الأخيرة، وجعل ثروات العراق تحت السيطرة الإيرانية، عن طريق ما يسمى بـ"اتفاقيات" المبرمة بين الدولتين (العراق – إيران).



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة