حراك 22 فبراير.. حسابات الشعب وحسابات السلطة

ها هو حراك الجزائريين قد أنهى أسبوعه الثالث وجمعته الرابعة، أكثر إصرارا وتحديا لعجرفة النظام وصلفه ولمناوراته التي لا تنتهي، حراك يواصل طريقه كما بدأ سلميا واعيا حضاريا راقيا، وعفويا حتى كأنه يعرف طريقه وشعاراته وأهدافه، من دون أن تكون له قيادة ولا وصاية، غير جهود آلاف الشباب الموجه والمنظم والمؤطر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتي أفلحت في الحفاظ عليه وتقويته وحمايته من الانحراف.

 

وكأن هذا الحراك يستلهم حكاية الثورة التحريرية المباركة، ويعيد تجسيد مقولة المجاهد القائد العظيم الشهيد محمد العربي بن مهيدي: "ألقوا الثورة إلى الشعب يحتضنها"، فمنذ اللحظة الأولى التي غامرت فيها عصبة قليلة من ناشطي الفيسبوك بتوجيه ندائهم لعموم الشعب بغزو الساحات والشوارع ردا على الحالة التي بلغها النظام من الفساد والعبث السياسي والاقتصادي، وتجاوزه لكل الأعراف والحدود الدستورية والشرعية، تلقف هذا الشعب النداء واحتضن الشارع لوعة الشباب الباحثين عن شيء من الكرامة والحرية، والساعين خلف تجسيد أحلامهم وصناعة دولتهم الموعودة، التي صادرتها عقود من هيمنة جيل منتهي الصلاحية، انتهى كوكيل رسمي لمصالح الاستعمار القديم، وكمدمر للبلاد وناهب لخيراتها.

  

كما هو ديدن الأنظمة جميعا، ومثل ما حدث في تونس ومصر من قبل، سار النظام الجزائري في نفس الاتجاه، ولم يبدي أي استجابة لمطالب الشارع، في انتظار أن تفلح مناوراته في كسر الزخم المتصاعد أو يفلح في امتصاص الغضب

لقد كانت هاذه النقطة التي تخوف منها الجميع، غياب التأطير الواضح وانعدام القيادة الموحدة والعفوية المطلقة، التي تقترب من الفوضى، هي نفسها نقطة قوة هذا الحراك، فجن النظام الذي وجد نفسه في مواجهة شعب كامل، وعجز كعادته أن يجد جهة يوجه لها الاتهام أو يحملها مسؤولية ما حدث، بل إن ممثليه والمتحدثين باسمه وعرابيه لم يسعهم إلا أن يطبّلوا للشعب ويمتدحوا هبته ووحدته وانتظامه، لأنه لا سبيل لهم غير ذاك، وليس في إمكانهم تحدي شعب كامل.

 

لقد تسارعت الأحداث، وكان أسبوعا كافيا ليخرس جميع المشككين والألسن المرجفة، وينقل الشعب نقلة عظيمة، من الخوف والسلبية والترقب، إلى المبادرة والتوحد والإيجابية، وبعد كسر حاجز الخوف يوم 22 فيفري، كانت الجمعة 01 مارس فرصة لزحف بشري غير مسبوق، تكاتف فيه الشعب في الشوارع عبر كامل البلاد، وليعبر بصريح الشعارات عن رفضه لتصرفات العصابة الحاكمة ومشاريعها، وأسبوعين آخرين يوم 08 ثم 15 مارس، كانا كافيين ليحدثا تطورا عظيما في مطالب الشعب توحده وحضوره.

 

وكما كان تصور بن مهيدي عن استقواء الثورة بالشعب، وعن اشتداد ساعدها ونضجها في أحضانه، حدث مع هذا الحراك، فلم يمر أسبوعان، حتى كان الشعب الذي بلغ مستوى من الاندفاع واكتسب الثقة في نفسه، يتجاوز مطلب رفض العهدة الخامسة لبوتفليقة إلى رفض النظام قاطبة، وهو ما يقتضيه منطق الثورات ومنطق الوضع النفسي للشعب الجزائري إزاء النظام، فلا يكاد يختلف شخصان ممن يعرفان وضع الجزائر كدولة، عن حالة الاحتقان والغضب الشعبي التي تموج وسط المواطنين وحالة الرفض التام للمنظومة الحاكمة، والتي أنهكت البلاد بعد ستة عقود من الحكم الأحادي المنغلق على العصبة العسكرية والعصابة المالية.

 

وكما هو ديدن الأنظمة جميعا، ومثل ما حدث في تونس ومصر من قبل، سار النظام الجزائري في نفس الاتجاه، ولم يبدي أي استجابة لمطالب الشارع، في انتظار أن تفلح مناوراته في كسر الزخم المتصاعد أو يفلح في امتصاص الغضب، أو يتمكن من تفجير الحراك من الداخل، بعد أن استبعد خيار المواجهة تماما، نتيجة الالتفاف الشعبي المهول والفشل في استهداف جهة محددة، ونتيجة عوامل موضوعية كثيرة. والحقيقة أن النظام الجزائري ليس بذلك النظام الذي يفتقد الحيلة والخبرة والدهاء، وهو في هذا يتفوق على أنظمة تونس ومصر وليبيا، ويزيد في رصيده تجاربه السابقة وتجارب الأنظمة المجاورة، وكذاك خبرة ومساعدة ناصحيه من رعاته الدوليين، الذي يراقبون تطورات الوضع.

 

الآن وقد بلغ الحراك اندفاعه المناسب وحقق سرعته القصوى ووصل إلى سقفه المطلوب في العنفوان وفي المطالب، لم يعد متوقعا أبدا من الشعب أن يعود لقواعده بخفي حنين أو يرجع من دون أن يحقق الحد الأدنى من المطالب التي خرج من أجلها، كما لا يتوقع من النظام، الذي هزته الفزعة الشعبية وأربكت الهبة الجماهيرية كل حساباته، أن يستسلم بكل سهولة، نزولا عند التقاليد العربية المعروفة في هذا الميدان ودفاعا عن مصالحه ومصالح حلفائه وحماته الخارجيين، وكذلك احتراما لتاريخيه الطويل من مصادرة الإرادة الشعبية وعدم الالتفات إليها.

 

ورغم كل النجاح الذي حققه حراك ال22 فبراير لحد الساعة من احتشاد شعبي حوله ومن انصهار مكونات الشعب فيه ومن اتفاق الأطروحات حوله ومن تأجيل الخلافات بسببه، فإن التحدي الحقيقي ليس في انطلاق الحراك في حد ذاته، وإن كان ذلك معجزة بما تعني الكلمة من معنى لمن يعرف ظروف وتاريخ الشعب الجزائري، ولكن التحدي في استمرار الحراك ووصوله إلى أهدافه، ومن أجل تحقيق هذا لا بد من قدر بالغ من اليقظة والوعي من قبل الشعب، ومن مناورات توازي وتكافئ مناورات النظام وتتفوق عليها، ولا بد من قسط عظيم من الصبر والتضحية اتجاه ما هو قادم، فالمطلوب هو التغلب على كل التحديات الداخلية والخارجية التي تواجه وتجابه هذه الثورة التاريخية.

 

التحديات الداخلية تتمثل في التغلب على الألغام الكثيرة المدسوسة، التي قد يخفيها إلى وقت الحماس الملتهب والعاطفة الجياشة، التي تواكب الحراك، فإن الشيطان يكمن في التفاصيل، وعند طرح القضايا الجوهرية بالنسبة لمستقبل الحراك وأهدافه حتما سيظهر الخلاف بين مكوناته، وقد أظهر مشروع اختيار قادة أو متحدثين باسم الحراك ذلك الاختلاف الكبير في الرؤى والتوجهات، في ظل غياب آلية عملية لانتخاب أولئك الممثلين، وكذلك غياب الاتفاق على أسماء تحقق الرضا الكامل والتفاهم المطلق.

 

مهما يكن فإن الحراك بيد الشعب، وبيده وحده أن يفرض إرادته كما تقتضي ذلك طبيعة الثورات والهبات الجماهيرية، إن عرف كيف يتعامل بحكمة مع التحديات الداخلية والخارجية

كما أن هناك لغما آخرا هو الاختلاف الجذري بين بعض مكونات الحراك، بخصوص تصور شكل الدولة وتوجهها، وهناك مشروعان أساسيان مختلفان يتنازعان الحشود، ويسعى كل منهما ليفرض توجهه عليها، وإن جمعهما في حاضر الحراك معاداة النظام والرغبة في إسقاطه، فإنه ولا بد ستفرقهما ساعة الجد عند مناقشة بديل المنظومة الحالية، وإذا كان هناك ما يكفي من العقلاء في توجيه هذا الحراك، فإنه لا بد من استبعاد أي نقاش أو تنازع حول قضايا الهوية الوطنية في ذروة هذا الحراك، وتأجيل ذلك لوقت انبثاق الدولة الجديدة، وترك الفيصل للشعب عبر الوسائل العملية الديمقراطية الشفافة.

 

والتحدي الداخلي الأخير، هو إيجاد الآليات المناسبة للحفاظ على زخم الحراك حتى إرغام النظام على الرضوخ والاستجابة، وحرمانه من العمل على عامل الوقت، لتفريق الحشود وإصابتها بالملل واليأس، حين تصطدم بعدم استجابته واستغلاله للسلمية الراقية ولعدم تعطل مصالحه، فيواصل صم أذنيه، ومن أجل هذا فالحمل سيكون ثقيلا على عاتق الشباب الذي يؤطر من بعيد ومن خلف وسائل التواصل عملية تحريك الشارع وحشده.

 

أما التحديات الخارجية، فلن تكون سوى مناورات النظام وحيله الكثيرة من أجل احتواء الحراك والالتفاف عليه، فقد انخرط في خطوات تكتيكية مثل بعض التغييرات الساخرة لعدد من بيادقه وبعض المشاريع السياسية المحكومة بالفشل والمرفوضة شعبيا، ليكسب بعض الوقت، من أجل تنفيذ عمليات أكثر تأثيرا في العمق الشعبي، فلا يستبعد أن يعمد لاختراق صف الحراك، بعدد معتبر من أنصاره الذين بدأوا يقفزون وسط الشعب وحراكه، وحين تتوفر له الفرصة سيحرف الحراك أو يحتويه، ولا يستبعد أن يستميل جزء من الشباب لعمليات سياسية شكلية غير حقيقية، تفرق صف الشعب، كما يمكن أن يذهب لعملية سياسية جديدة بتخريجة ما، يعيد تدوير نفسه من خلالها وإعادة هيكلة منظومته وتوزيع أدوارها.

  

كما لا يمكن في تعديد الأخطار المحدقة بهذا الحراك، إغفال تربص العصبة الأمنية السابقة، التي وجهت لها دولة العصابة المالية ضربات قوية، ركنتها على الهامش، لكن لم تقضي على كل قوتها ولم ينتهي هيكلها الفاعل من الوجود، فيمكن أن تستغل هذا الحراك الشعبي، وتضرب المنظومة الجديدة بالشعب، وتقفز من جديد إلى سدة الأحداث بسبب الكثير من عوامل القوة لديها، فهي لا تزال تتوفر على أذرع سياسية ومالية وإدارية مقتدرة.

 

ومهما يكن فإن الحراك بيد الشعب، وبيده وحده أن يفرض إرادته كما تقتضي ذلك طبيعة الثورات والهبات الجماهيرية، إن عرف كيف يتعامل بحكمة مع التحديات الداخلية والخارجية، وإن أحسن مؤطروه استغلال الحماس الجماهيري العظيم، وأحسنوا قراءة التاريخ، وتجاوزا كثير من الألغام والخلافات، وشكلوا إطارا يكافئ من حيث القوة والتنظيم والتجانس والتفاهم الإطار الذي يثور عليه الشعب الآن.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة