العولمة.. تبادل ثقافات أم سحق للخصوصية؟

لا يختلف اثنان اليوم في ظلّ الثورة الاتّصالية والمعلوماتية والعولمة الاقتصادية على أنّ العالم قد تحوّل إلى قرية كونية بالمعنى الجغرافي تتداخل وتتكامل فيها مصالح ومصائر الشعوب على نحو لم يكن له نظير في العصور القديمة، فقد ولّى بالنسبة للشعوب عصر التقوقع والانغلاق على الذات وحلّ محلّه عصر الانفتاح والتفاعل مع الشعوب الأخرى على وجه الاختيار والاضطرار، ومن المؤكّد أنّ لهذا الواقع الحضاري الجديد مزايا ومخاطر فهو بقدر ما أفاد الشعوب من جهة التواصل والتثقف والتكامل الاقتصادي، بقدر ما طرح على أرض الواقع تحدّيات وأزمات تتعلّق بالهوية وشروط حفظها وباللقاء بالآخر وكيفية إدارته على نحو يجنّب الشعوب فواجع الحرب والاصطدام والهيمنة ،فكان موضوع الخوف من العولمة من عدمه موضوعا جدليّا بامتياز تضارب حوله المواقف و تصادمت بين داعم و معارض لها.. فما العولمة؟ وما علاقتها بالشعوب والإنسانيّة؟ هل هي نذير حياة يجب أن نرحب به؟ أم هي نذير موت يجب أن نخشاه؟

إنّ العولمة هي مسار انفتاح شعوب العالم اقتصاديا وثقافيا على بعضها البعض وهي ظاهرة التداخل والتبعية المتبادلة اقتصاديا بين شعوب العالم، وتعود أسباب ظهور العولمة إلى الثورة الاتّصالية وانتصار اقتصاد السوق وخاصّة انهيار المعسكر الشيوعي بداية تسعينات القرن الماضي .إنّ هذه الظاهرة من جهة الرأي السائد والقوى المستفيدة منها هي تجسيد للقيم الكونية إذ وحدّت العالم وجعلته قرية كونية، وقد مكّنت الشعوب من الاستفادة بالتساوي من ثمرات التقدّم العلمي والتكنولوجي إضافة إلى هذا فهي نجحت في أن تستبدل العلاقات الاستعمارية بين الدول بعلاقات تعاون وتكامل اقتصادي وسياسي..

العولمة الاقتصادية الرأسمالية ليست الإطار المناسب لتحقيق التوازن بين حفظ ما هو خصوصي والانفتاح على ما هو كوني، بل هي عكس المنتظر منها تهديد مزدوج للخصوصي والكوني تبشّر بنظام عالمي بلا ضمير وبلا ألوان

فما مدى وجاهة هذا الرأي؟ وهل العولمة تجسيد للكونية أم تهديد لها؟ إنّ الموقف القائل بأنّ العولمة تجسيد للقيم الكونية ونذير حياة بالنسبة للشعوب يخلو من المصداقيّة خاصّة وأنّ العولمة كما يقول غارودي هي نظام يعيد إنتاج علاقات الهيمنة بين الشعوب ويقسّم العالم بلغة سمير أمين إلى مراكز وأطراف ويهدّد جميع الشعوب بالموت المحقّق.. فلماذا يجب أن نخشى العولمة؟

إن العولمة من جهة أولى هي نذير موت للشعوب المهيمن عليها إذ تهدّد خصوصيتها الاقتصادية عبر إدماجها في الاقتصاد العالمي ونهب ثرواتها ومواردها وإخضاعها للقوى الرأسمالية الكبرى وإلزامها بنماذج تنموية محدّدة.. وتهدّد خصوصيتها الاجتماعية عبر تعميق التفاوت في مستويات العيش بين جنوب العالم وشماله وتكريس الفوارق بين الأغنياء والفقراء محلّيا وعالميا إضافة إلى إثارة الأزمات الاجتماعية مثل البطالة والغلاء المعيشي والاحتكار والهجرة والتهريب.. ولم تكتفي العولمة بهذا إذ تمادت وهدّدت خصوصيّات الدول سياسيّا عبر مصادرة القرار السياسي الوطني وإضعاف سيادة الدول وإخضاعها لإملاءات البنك العالمي وصندوق النقد الدولي ومنظّمة التجارة العالمية وباقي المنظّمات العالمية.. وخصوصيّات الدول ثقافيّا عبر غربنة وأمركة العالم أي نشر نظم عيش وتفكير المجتمعات الغربية حول العالم وتكريس التماثل والتجانس على نطاق عالمي بإشاعة ثقافة استهلاكية موحّدة تهدّد التنوّع الثقافي..

ومن جهة ثانية فإنّ العولمة نذير موتٍ أيضا بالنسبة للشعوب المهيمنة صانعة العولمة والمستفيدة منها إذ تهدّد قيمها الكونية عبر إرغامها على تصدير قيمها إلى جانب سلعها والحال أنّ القيم إذا اقتلعت من بيئتها تموت.. وعبر إضعاف تأثير القيم الإنسانية داخل المجتمعات الغربية نفسها ليحلّ الاستغلال محلّ التضامن والاستعباد الناعم محلّ الحرّية والاستهلاك محلّ الإبداع وثقافة البورنوغافيا محلّ ثقافة الحقيقة والجمال والخير، إضافة سَلْعنة القيم الكونية بجعل حقوق الإنسان والحرّية والعدالة والكرامة سلعة عابرة للحدود واستخدامها انتهازيا لابتزاز الشعوب الأخرى وحتّى شنّ الحرب عليها.

إن العولمة الاقتصادية الرأسمالية ليست الإطار المناسب لتحقيق التوازن بين حفظ ما هو خصوصي والانفتاح على ما هو كوني، بل هي عكس المنتظر منها تهديد مزدوج للخصوصي والكوني تبشّر بنظام عالمي بلا ضمير وبلا ألوان ثقافية تحكمه "ديانة توحيدية جديدة هي ديانة السوق" كما يقول غارودي.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

النيوليبرالية التي تطورت عن الرأسمالية والتي تغلغلت في أوصال العالم اليوم، أطلقت العنان تماما لطمع الإنسان وجشعه وأعطت الضوء الأخضر للأفراد لتكديس ما يستطيعون تكديسه من ثروات دون قيود تذكر.

الأكثر قراءة