يحيى حقي وقصة أديب نادر الوجود

blogs يحيى حقي

يحيى حقي (1905 ـ 1992) بلغة البيولوجيا التطورية هو الحلقة المتوسطة بين توفيق الحكيم (1898) ونجيب محفوظ (1911) وهو من مواليد 1905، أي فيما بينهما وقد توفي 1992 أي فيما بينهما أيضا، عاش يحيى حقي سبعة وثمانين عاما كانت هي أيضا عمر صديقة الأكبر منه الدكتور حسين فوزي ( 1900 ـ 1987) الذين جمعتهما المدرسة الحديثة في بداية حياتهما ثم تصادف أن أصبح الدكتور فوزي الوكيل الدائم لوزارة الإرشاد القومي بعد إنشائها في نهاية 1952 لأنه كان قد وصل إلى درجة موازية وكيلا لجامعة الإسكندرية ومديرا لها بالنيابة وجاء معه الأستاذ يحيى حقي ليكون مديرا لما سمي بمصلحة الفنون وكان أول وآخر مدير لها قبل أن تتشعب.

 

وقد كان نجيب محفوظ هو أحد من انتقلوا للعمل في مصلحة الفنون تحت رئاسة يحيى حقي وكان على عادته من الاحترام الزائد يقف تبجيلا ليحيى حقي فيقول له يحيى حقي: إنك أديب كبير لا يستحق منك رئيسك هذا الوقوف، وهكذا ظل الرجلان على هذا الاحترام المتبادل حتى كان يحيى حقي تاسع من فاز بجائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1967 وتلاه في العام التالي مباشرة 1968 نجيب محفوظ. ومن الجدير بالذكر أن نجيب محفوظ عند فوزه بنوبل سئل عمن يرشح لها من الأدباء المصريين فأجاب بلا تردد: يحيى حقي. ومما كان يرويه نجيب محفوظ باعتزاز وابتسام أن يحيى حقي لما هنأه بالجائزة نبهه أنه بفوزه سيصبح موظفا عند نوبل.. وكان هذا في رأي نجيب محفوظ نفسه وفي رأينا أدق تشخيص لما حدث له منذ فوزه بالجائزة.

 

جاء تعيين يحيى حقي في منفلوط في صعيد مصر وهكذا قُدر له في مطلع 1927 أن يعرف الصعيد لأول مرة في حياته وأن ينتقل إلى حياة أخرى مختلفة تمام الاختلاف في التحضر والتنمية والعادات والتقاليد

يلخص الأدباء فيما بينهم حياة يحيى حقي في أنه كان أديبا حقيقيا وموهوبا كما أنه انفرد بصفتين بارزتين: أنه كان زائد التواضع وقليل المغنم، فأما زيادة تواضعه فلم تكن إلا مظهرا من مظاهر الفطرة النقية الزائدة في رقيهاعن الحد، والأنسنة النادرة، وأما قلة حظه من المغانم فقد جاءت من تمسكه بأهداب الخلق الكريم في كل شيىء حتى إنه كان يطيع من يخدعونه من باب التأدب معهم، ولأنه لم يتعود الشك ولا الارتياب.

  

لا يعرف الناس ومنهم بعض نقاد الأدب ومؤرخيه أن يحيى حقي في تكوين حياته قد مر بخمس مراحل متعاقبة وكان انتقاله من كل مرحلة إلى الأخرى بمثابة شرارة لوعي جديد أثمر أدبا من مستوى رفيع. ولد يحيى حقي في عائلة تركية متحضرة، تعرف أصولها ونسبها جيدا لكنها والأهم من هذا كانت تعرف الثقافة الرفيعة، وكان والده محبا للشعر ولأمير الشعراء شوقي وكانت أمه قارئة مثقفة على قدر من الإلمام بالفقه والفلسفة الإسلامية فكانت تقرأ الغزالي وأمثاله من فلاسفة الإسلام، وقد عاشت أسرته في حي السيدة زينب بالقرب من مسجد السيدة زينب وضريحها المشهور.

 

وهكذا كان يحيى حقي في نشأته قاهريا صميما مكتمل القاهرية والثقافة، وقد نهل من كل منابع الثقافة المُتاحة في القاهرة وعرف جماعاتها الأدبية وصالوناتها ومقاهيها وارتبط بصداقات هنا وهناك حتى تخرج في كلية الحقوق وقد زامل فيها عددا ممن صاروا أساتذة لامعين من طبقة حلمي بهجت بدوي وعبد الحكيم الرفاعي ومحمد سامي مازن وبعضهم هم الذين زاملوا توفيق الحكيم فيما بعد سنوات في باريس لكن يحيى حقي لم يكتف بزمالة هؤلاء وإنما كان يقضي مُعظم وقته في المدرسة الحديثة لناظرها محمود طاهر لاشين وأحمد خيري سعيد وبقية طلبة تلك المدرسة الأفذاذ وفي مقدمتهم الدكتور حسين فوزي، وبالقرب من هؤلاء محمد تيمور ومحمود تيمور، وأصدقاء الدكتور فوزي من طراز حسن فتحي وحسن محمود.. الخ.

 

هكذا خرج يحيى حقي إلى الحياة العامة متسلحا بليسانس الحقوق وساعيا إلى العمل في وظائف النيابة العامة والقضاء كما يقتضي هذا وضع عائلته، ولم يكن يمانع في أن يبدأ بالعمل بالمحاماة تحت التمرين، فوجد فرصة عمل في مكتب بالإسكندرية ثم في مكتب آخر وثالث، ثم عمل بالمحاماة في البحيرة بالقرب من الإسكندرية ثم جاءته الفرصة المنتظرة ليعين في وظيفة من وظائف معاوني الإدارة وهي وظائف في المديريات وأقسام البوليس يشغلها خريجو الحقوق وتمثل ما يقارب ما تمثله قيادة الإدارة المحلية الآن. لكنها في ذلك الزمن كانت وسطا ما بين البوليس والقضاء.

 

جاء تعيين يحيى حقي في منفلوط في صعيد مصر وهكذا قُدر له في مطلع 1927 أن يعرف الصعيد لأول مرة في حياته وأن ينتقل إلى حياة أخرى مختلفة تمام الاختلاف في التحضر والتنمية والعادات والتقاليد وقد عاش يحيى حقي هذه الحياة بوجدان مفتوح ومشاعر مضطربة وحواس قادرة على التقاط كل صغيرة وكبيرة مما أثر في أدبه على نحو غير مسبوق، ولعل أكبر وأعظم آثار هذه الفترة هي البوسطجي.

 

في أثناء عمله بالخارج خاض يحيى حقي تجربته الثانية المؤثرة وهي التجربة التي أثمرت عمله الكلاسيكي الضخم القيمة المأثور بالذكر: "قنديل أم هاشم"

وبينما يحيى حقي يعيش هذه الوظيفة بظلالها إذا بإعلان وزارة الخارجية عن حاجتها إلى تعيين موظفين اداريين في سلكها بالخارج وكانت هذه الوظائف تبدأ بمسمى أمين محفوظات ويفوز يحيى حقي في امتحان القبول بهذه الوظيفة، ويصبح أمينا للمحفوظات في قنصلية مصر في جدة 1929، وإستانبول 1930 ‘ وروما 1934 وحتى 1939، حتى إذا مضت عشر سنوات على يحيى حقي في هذه الوظيفة رشحته كفاءته الإدارية والقانونية ليكون مديرا لمكتب وزير الخارجية وليظل في هذه الوظيفة عشر سنوات أخرى ينتقل بعدها من السلك الإداري إلى السلك الدبلوماسي في وظيفة سكرتيرا ثالثا في سفارة مصر في باريس فمستشارا للسفارة المصرية في أنقرة عاصمة تركيا ثم وزيرا مفوضا لوزارة مصر في ليبيا 1952.

 

وفي أثناء عمله بالخارج خاض يحيى حقي تجربته الثانية المؤثرة وهي التجربة التي أثمرت عمله الكلاسيكي الضخم القيمة المأثور بالذكر: "قنديل أم هاشم"، فلما قامت ثورة 1952 وبدأ الحديث عن إبعاد الدبلوماسيين المتزوجين من أجنبيات عن السلك الدبلوماسي انتقل الأستاذ يحيى حقي إلى منصب مدير مصلحة الفنون كما أسلفنا ليكون قريبا من الدكتور حسين فوزي الذي كان هو الآخر (من قبله) متزوجا من فرنسية، وفيما بين الدبلوماسية والثقافة عمل لشهور مديرا عاما لمصلحة التجارة الداخلية بوزارة التجارة.

 

وفيما يبدو فإن يحيى حقي لم يستطع التأقلم مع أحد التغييرات في وزارة الثقافة والإرشاد القومي عند قدوم الدكتور ثروت عكاشة للوزارة مما جعله يترك العمل باستقالة لكنه بترتيبات محبيه ( ومنهم الشيخ الباقوري والأستاذ محمود شاكر في الواقعة الشهيرة التي عرفت في تاريخنا المعاصر بأنها سببت إقالة الباقوري)عاد للعمل ليكون في وظيفة أكثر تحررا من الوظائف الحكومية التقليدية وهي وظيفة رئيس تحرير مجلة "المجلة" إبريل 1962، وفي الواقع فقد سميت المجلة باسمه فكان المثقفون يقولون مجلة يحيى حقي وبقي في هذا الموقع المهم حتى ديسمبر 1970 وكان نائبه فيها الدكتور شكري عياد ثم كان خلفه فيها هو الدكتور عبد القادر القط.

 

كان الدكتور حسين فوزي قد وضع سياسة صارمة لهذه المجلة لتكون ذات مستوى كلاسيكي مرتفع وملتزم، ومع كل ما تمتع به يحيى حقي من حب وعطف ورعاية للأدباء والشبان فإنه استطاع أن يحافظ على هذا المستوى الصارم للمجلة وأن يجعلها قادرة على أن تستوعب التجارب الجديدة والأقلام الحديثة.

 

ظل يحيى حقي هكذا منارة حب وعرفان وتقدير، ومنارة تواضع ودأب وقد بلغ به تواضعه أن جريدة التعاون في عهد الأستاذ محمد صبيح طلبت إليه أن يكتب فيها تثقيفا للعمال، والفلاحين فقبل الفرصة وواظب على كتابة مقالاته القيمة فيها فلما أرادت الاهرام أن تضمه مع أصدقائه توفيق الحكيم وحسين فوزي ونجيب محفوظ الذين كانوا قد تعاقدوا معها اعتذر بأنه ارتبط بالعمل بالتعاون، وأن طائفة العمال والفلاحين وقراء التعاون يستحقون الاهتمام أيضا. وهذه قصة نبل غير مشهورة عن هذا الرجل العظيم الذي أسعدني حظي بمعرفته عن قرب قبل أن تتكاثر عليه جماعات من المدعين.



حول هذه القصة

BLOGS سعد الله ونوس

استطاع سعد الله ونوس نقل المسرح إلى طور الإبداع والخلق والتجديد حيث لم يكن يوجد في مسرحه كواليس أو ستار بل كان يركب المشهد أمام الجمهور ليشرع المحاكمة العقلية للمسرح.

blog by فايز أبو عيد
Published On 16/8/2018
blogs مجتمع

النهضة لا تتحقق بالأطباء ولا بعلماء البيولوجيا والفلك والفيزياء، بل النهضة لا تتحقق إلا بواسطة المفكرين، فالفكر هو الذي يصنع النهضة، وإسقاط نماذج نهضوية لأمم أخرى علينا لن يحقق النهضة.

blog by محمد أمين خلال
Published On 24/1/2019
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة