logo

بين باريس ونيوزيلندا.. الإنسانية لا تتجزأ

في مشهد سينمائي مرعب، شاهدت الرشاش الآلي الذي يتجول في مسجدي نيوزيلندا وهو يطلق رصاصاته في أكثر الأماكن قدسية وطمأنينة "بيت الله"، شاهدت الملائكة وهي تتساقط، شاهدت الدم وهو يسيل على أبواب الجنة، شاهدت معركة الخير والشر وهي تدور على أروقة "بيت الله" شاهدت الله بقلبي وهو يلتقط شهدائه من على الأرض، شاهدت الدموع التي تسيل على طرقات المغتربين، شاهدت الحسرة والألم على من استيقظ في يوم الجمعة المبارك وهو يتأمل الخير والرحمة، وعندما انتهت المجزرة.. لم أشاهد مسيرة مزدحمة برؤساء العالم مثل التي شاهدتها في باريس!

لم أشاهد عواصم خليجية ترفع صور الشهداء كما رفعت صور أعلام فرنسا عام 2015، لم أرى مارك زوكربيرغ يكتب شيء على موقعه اللعين، لم أرى سوى صورته التي وضع عليها علم فرنسا بعد الهجوم الإرهابي قبل سنوات، لم أشاهد دموع التماسيح "ولو على سبيل الدبلوماسية" في أوروبا، ولم أشاهد الإعلام تنكس في دول العالم الإسلامي حتى، من سقط شهيدا في "بيت الله" هو سفيرا رحيما لكل من يؤمن بهذا الدين، سقط وهو يؤدي عباداته الدينية التي من المفترض أن تؤمن الدولة لها كل سبل الحماية لأن الحرية الدينية هي واحدة من أهم حقوق الإنسان الأساسية، وقبل الدين والعقيدة، الإنسانية هي أهم حقوق الإنسان التي إذا ما تم التعدي عليها فالدولة تسقط أخلاقيا بنظر شعبها ومواطنيها.

الإجرام هو منهج الإرهاب وليس منهج أي عقيدة دينية، الإسلام دين التسامح والمحبة، ما حدث في نيوزيلندا هو صورة واضحة عن المشهد العالمي

وسائل الإعلام الغربية دوماً في المقدمة، ولكن خلف المشهد الدرامي المفعم بالألم والحزن، هناك صورة عريضة خلف الجدار عليها التعاليم الأساسية، وسائل الإعلام وصفت القاتل بأنه "متطرف" لم تستخدم بكل ذكاء وخبث كلمة "إرهابي" لأنه في هذه المرة المسلم هو الضحية وليس المجرم، الإعلام الغربي يلعب دور المهرج الذي يضحك ويبكي للأطفال، مع أنه في الواقع لا يطيقهم ولكنهم مصدر رزقه.

محاولة تغيير المفاهيم هو أسلوب إعلامي قذر تحكمه السياسة، فبرغم كل الحملات الإسلامية العربية والعالمية التي حاولت على مر السنوات الأخيرة توضيح أن الإرهاب ليس مرتبطاً بالإسلام كدين وذلك واضحاً جدا في مختلف الجرائم التي تحدث حول العالم، إلا أن الإعلام الغربي بطريقة أو بأخرى لا يسمي الإرهاب "إرهابا" إلا إذا كان "مسلماً" ولا يسمي الإرهاب "تطرفاً" إلا إذا كان غير مسلم.

الإنسانية لا تتجزأ.. الضحية هو ضحية، والقاتل قاتل، المسميات لا تسمى إلا بأسمائها الحقيقية العادلة الواضحة، التلاعب بحبل الكلمات وتغيير المفاهيم والمصطلحات هو جريمة بحد ذاتها، ضحايا باريس ليسوا أعلى شأناً من شهداء نيوزيلندا، والقاتل لا يقل إجراماُ عن عصائب داعش الإرهابية، الإجرام هو منهج الإرهاب وليس منهج أي عقيدة دينية، الإسلام دين التسامح والمحبة، ما حدث في نيوزيلندا هو صورة واضحة عن المشهد العالمي، الإسلام هو ذلك المصلي الذي كان في جوار ربه داخل "بيت الله" والإرهاب هو ذلك الرشاش الذي أطلق رصاصاته على جنة المسلم الصغيرة "بيت الله" وأسقط منها الشيوخ والأطفال والوادعين في هدوء وطمأنينة.

محاربة الإنسان على مبدأ الدين، جريمة يجب أن تحاسب عليها الدول التي تضع قوانينها لتجاري هذه الجرائم، الساسة الذين مجدوا عملية مسجدي نيوزيلاندا يجب أن يحاكموا بتهمة التحريض على العنف، لأن القتلة دوما يرون أن لهم خلفية ومرجعية يعتمدون عليها في تنمية آرائهم الإرهابية، وإلى أبعد منذ لك فانهم يرون أن هناك تغطية سياسية دوما لجرائمهم وهذا ما نراه في كل مذبحة يتعرض لها المسلمون في أنحاء الأرض، وشاهدناها في نيوزيلاندا بالأمس بعد الحادث الإرهابي المرعب، حيث كانت هناك آراء سياسية وشعبية تمجد العملية الإرهابية وتصف المجرم "بالبطل"!.

هذا العالم يزداد كل يوم تعقيدا ومحاربة للحق، الإنسانية كل يوم تخسر شيئا من إرثها الحضاري، بني هذا الكوكب منذ بدايته على القتل وكلنا يعلم قصة قابيل وهابيل، المشكلة أن عمر الأرض حوالي 4.54 مليار سنة، لم يتعلم الإنسان طوال هذه المدة أن الحياة هي المغزى من الوجود وليس القتل حتى النهاية.



حول هذه القصة

بينما تدعي الولايات المتحدة المحاربة في سبيل الديمقراطية، وبينما تأخذ خارجيتها على عاتقها مهمة تقييم حقوق الإنسان، يعلن مجرم إرهابي مثل برينتون تارانت إعجابه بالرئيس الأمريكي واعتباره ملهما له!

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة