حراك الجزائر.. فليبتعد الإسلاميون!

من حق الشعب الجزائري أن يفرح ويحتفل بالإنجاز الذي حققه، بدفع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة أو من ناب عنه للعزوف عن الترشح لولاية رئاسية خامسة. فسواء كان بوتفليقة هو الحاكم الفعلي لمنظومة الدولة الفعلية أو مجرد واجهة لها، فإن إزاحته عن المشهد شكلت مقدمة -وإن كانت شكلية- في مسار إزاحة المنظومة الفعلية الحاكمة.

 

أهمية ما تم إنجازه لا تكمن فقط في تحقيق العنوان الأبرز للحراك الشعبي الذي شهدته الجزائر والذي تمثل في شعار "لا للعهدة الخامسة"، بل أيضاً في انهيار جدار سميك من الخوف والرعب تجاه السلطة. فأشكال الاحتجاج التي شهدتها مختلف المدن الجزائرية كانت غير مسبوقة وتتميز بجرأة لافتة. فرفع الجزائريون لافتات وهتفوا بشعارات تسخر من الرئيس وعائلته وحاشيته وتتهمهم بالسرقة والفساد ونهب خيرات البلاد. كل ذلك لم يكن معتاداً في الجزائر، لكن حالة الغضب والحنق والفقر واليأس التي شعر بها المواطن الجزائري، دفعته لكسر ما كان محرّما ووضعته في موقف من لا يخشى من خسارة شيء. وهذه الجرأة لن يستطيع أحد سلبها مرة أخرى، وعقارب الساعة لن تعود إلى الوراء، وأياً كانت السلطة التي ستأتي لاحقاً، فإنها ستضع في الحسبان أن الشعب سيكون بالمرصاد، وأن زمن الخنوع الذي كان سائداً ذهب إلى غير رجعة.

 

الحراك العفوي نجح في تحقيق هدفه الأول بانسحاب بوتفليقة، لكن لا شيء يضمن أن ينجح في مجاراة ألاعيب النظام ومؤامراته وأساليبه الملتوية لخداع الجزائريين والالتفاف على مطالبهم ومحاولة تشتيتهم

كل ما سبق لا يعني أن الجزائر وصل بر الأمان، وأن الحراك الشعبي ستتم الاستجابة لمطالبه، وأن النظام الذي أمسك بالسلطة طوال عشرين عاماً يتحكم بالشعب وينهب خيراته، سيتخلى عنها ببساطة، وسيتراجع إلى الصفوف الخلفية تاركاً المجال أمام من يريد الوصول إلى السلطة. هذا لن يحصل حتماً، فالمشوار أمام الجزائريين ما زال طويلاً، والمسار الأخطر والأصعب والأطول هو القادم وليس الذي مضى. فالنظام القائم سيسعى بكل ما أوتي من دهاء وخبث ودعم خارجي لسلب أحلام الجزائريين، بما يضمن استمراره في السلطة.

 

يتفاخر الجزائريون بأن حراكهم كان عفوياً وتلقائياً، نابعا من استياء المواطن وفقره وغضبه، ورغبته في أن يعيش حياة كريمة، يتفاخرون كذلك بأن الآلاف الذين تجمعوا في الشوارع والساحات لم يكن يجمعهم سوى رفضهم للعهدة الخامسة والمطالبة بتداول حقيقي للسلطة والقضاء على الفساد. هذا الحراك العفوي نجح في تحقيق هدفه الأول بانسحاب بوتفليقة، لكن لا شيء يضمن أن ينجح في مجاراة ألاعيب النظام ومؤامراته وأساليبه الملتوية لخداع الجزائريين والالتفاف على مطالبهم ومحاولة تشتيتهم. وهذا لن يكون مهمة صعبة بالنسبة لنظام يمسك بتلابيب السلطة منذ عشرين عاماً، تمكن خلالها من بناء شبكة من الفاسدين سياسيين ورجال أعمال وضباط وإعلاميين.. وهؤلاء مازالوا يسيطرون على مفاصل الدولة، ومستعدون للقيام بكل شيء في سبيل تشتيت المحتجين وبثّ الفرقة بينهم، في ظل عدم وجود رؤية وقيادة تجمعهم.

لذلك، وبالتزامن مع مساعي السلطة لتجميع صفوفها وجمع أوراقها ودراسة خطوتها القادمة للالتفاف على مطالب الحراك الشعبي، على أبناء هذا الحراك أن يسعوا للتوحّد وتبنّي رؤية مشتركة تتضمن المطالب التي يتفق عليها الجميع، بعيداً عن العناوين الفئوية والخاصة، والأهم أن يتم تشكيل نواة من صلب الحراك للتحدث باسمه وقيادته وإدارته. هذه النواة يجب إبعاد الإسلاميين عنها سواء كانوا مؤيدين أو معارضين. فوجودهم داخل هذه النواة، سيمنح النظام فرصة تشويه الحراك وصبغه بالبعبع الإسلامي المتطرف، وبالتالي تشويه صورة الحراك الشعبي وحرفه عن مساره وأهدافه، وسيشجع بعض الأنظمة العربية التي تعادي كل ما هو إسلامي لدعم النظام الفاسد والتآمر على الشعب، عدا عن أن ذلك سيدفع بعض المجتمع الدولي لعدم التعاطف مع الشعب الجزائري. انسحاب بوتفليقة من المشهد، قد يبدو استجابة لمطالب الحراك، لكنه كذلك انكفاء للنظام لدراسة كيفية التعامل مع المرحلة القادمة، وهو ما على الجزائريين التنبّه له.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة