نهاية أول دولة للاستعمار المُتعصٌب بفضل العثمانيين في معركة الملوك الثلاثة

منذ انفتحت آفاق حرٌية التعبير مع ثورات الربيع العربي والتصاعد المُستمر في تأثير مواقع الاتصال الاجتماعي بدا المجال رحبا للحديث عن كثير من التصويب للحقائق التاريخية التي أخفاها عن عمد الأسلوب الغربي في كتابة التاريخ الإسلامي من منظورات اختزالية.

 

وقد أعلنتُ مبكٌرا جدا حين كان إعلاني نفسه مثار دهشة وتعجُب أن الحروب الصليبية لم تكن بين مسلمين ومسيحيين وإنما كانت بين جبهتين، كان في كل منهما مُسلمون، وفي كل منهما مسيحيون حتى مع غلبة العنصر الإسلامي أو المسيحي في هذه الجبهة أو تلك. هذه الحقيقة تُمثٌل في نظري أهم درس في الحروب الصليبية، ومن حُسن حظنا أن التاريخ لم يبخل علينا بإقراره وتكراره لهذه الحقيقة فإذا الثورات المُضادة تقوم على يد حُكام مُسلمين لم يكن أحد يتصوٌرُ أن يُمعنوا إلى هذا الحد في مُعاداة الإسلام أو ما يُسمٌونه الإسلام السياسي.

  

وفي واقع الأمر فإن كل ما نشهده الآن من حركيات الثورة المُضادة كانت له إرهاصات سابقة طيلة العصور الوسطى التي استعانت فيها كثير من الدول الإسلامية الصغيرة على أشقائها المسلمين بدول مسيحية كان بعضها مٌمْعنا في التعصٌب ضد الإسلام، وهكذا كانت هذه الحروب تنتهي بإيذاء للمسلمين من ناحية وللمسيحيين من ناحية أخرى من دون أن يكون هناك انتصار لمعنى من معاني العقيدة سواء الإسلامية أو المسيحية.

 

الأمثلة على هذا كثيرة لكن معركة الملوك الثلاثة كانت نموذجا صارخا لهذه التجربة الأليمة التي تركت آثارا بعيدة المدى وعبٌرت عن خصومات قصيرة النظر وعن قرارات في مُنتهى الغباء اتخذها ملوك كانوا أصغر بكثير من المهام المُلقاة على عاتقهم، يستوي في هذا المسلمون والمسيحيون الذين اقتحموا هذه المعركة بدوافع تفتقد إلى الحنكة والذكاء ومن ثم كانت نتيجتهم كارثية لكن الانتصار الحقيقي في هذه المعركة تحقٌق للدولة العثمانية التي كان كيانها في ذلك الوقت يتُمثٌلُ امتدادا للموجة الصاعدة التي بدأها سليمان القانوني (1494 ـ 1566) بتحالفه الذكي مع فرانسوا الأول ملك فرنسا ( 1494 ـ 1547) في مواجهة التعصٌب الكاثوليكي الذي كاد يعود بأوربا والعالم القديم إلى العصور الحجرية أو إلى عصور ما قبل التاريخ.

 

في مقابل استعانة المتوكل بالإمبراطور سيباستياو فقد استغاث عمه عبد الملك سلطان المغرب المُلقب بأبو مروان بالدولة العثمانية وكان قد دخل المغرب بقواته 1576 وانتصر في معركة قُرب فاس

ويكفي في هذا الصدد أنٌ إيزابيلا (الابنة) ابنة ملكة إسبانيا الشهيرة إيزابيلا اشترطت لقبول زواجها من ملك البرتغال أن يعدها بطرُد المواطنين اليهود من البرتغال على نحو ما طرد أسلافه المواطنين المسلمين وذلك ليكون الأمر في البرتغال شبيها وتكرارا لما فعلته أمٌها مع المسلمين واليهود في إسبانيا من طرد واستئصال ومحاكم تفتيش مما لا يزال يندى له جبين الإنسانية حتى اليوم.

  

دارت هذه المعركة على يد الإمبراطور سيباستياو ملك البرتغال (1554 ـ 1578) الذي كان ورث جدٌه جوان الثالث (1502 ـ 1557) في مُلك البرتغال كما كان أيضا حفيدا لكارلوس الخامس الإمبراطور الروماني المُقدٌس (1500 ـ 1558) أعظم ملوك أوربا في مساحة الإمبراطورية التي حكمها.. كان هذان الجدٌان كارلوس الخامس وجوان الثالث (وهما في الأصل أبناء خالة أيضا) قد تبادلا المُصاهرة فتزوج كل منهما من أخت الآخر وذلك تطبيقا لسياسة إيزابيلا الأولى في خلق هذه الإمبراطورية.

 

كان والد سيباستياو وريثا للعرش البرتغالي لكنه توفي قبل أن يولد ابنه بأسبوعين، ثم توفي الملك نفسه في 1557 حين كان حفيده في الثالثة من عمره وهكذا أصبح سيباستياو ملكا للبرتغال منذ كان في الثالثة وحتى توفي وهو في الرابعة والعشرين غرقا في معركة الملوك الثلاثة. كان الإفراط في تنشئة سيباستياو على مقومات التعصٌب الديني سببا في تدمير حياته، وقد وصلت قسوة طموح أمه لحماية مُلك عائلتها أن تترك سيباستياو في البرتغال وهو لا يزال في الثالثة من عمره فلم تره أبدا بعد هذا فقد سافرت إلى إسبانيا لتتولى تأمين إمبراطورية أبيها كارلوس الخامس الذي تنازل عن العرش في 1556 ليدخل الدير، وظلٌت مشغولة أيضا بالوصاية على العرش في عهد شقيقها الإمبراطور فيليب الذي ورث أخاها. وهكذا ظلٌت هذه الام في أسبانيا حتى وفاتها في 1573 أما سيباستياو فتنقٌل من تعصٌب إلى تعصُب ووصل في بعض الأحيان إلى أنه كان يحمل صورة توما الإكويني على حزام في خصره، على نحو ما هو مشهور عن أهل الوجه القبلي في مصر (وأمثالهم) من احتفاظهم بتمائمهم التي يعتقدون في أنهم ينالون بها الحماية والبركة.

 

تباطأ هذا الملك الشاب المشغول بالتعصب أن يسير في طريق الزواج سواء من ابنة الملك هنري الثاني ملك فرنسا التي تزوجت ممن أصبح الملك هنري الرابع ملك فرنسا، أومن ابنة خالته ماريا ابنة الإمبراطور ماكسمليان الثاني التي تزوجها الملك شارل التاسع ملك فرنسا أومن إيزابيلا ابنة خاله فيليب الثاني ملك أسبانيا التي تزوجها ألبرت السابع أرشيدوق النمسا.. لكنه اعترته نشوة السعادة حين لجأ إليه بعض رجال الدولة السعدية المسلمة لينصُرهم على بعضهم البعض وقد زيٌن له من استعانوا به أنهم يُساعدونه على حرب إبادة للمسلمين الذين يُريدون إعادة الأندلس.

 

وفي مقابل استعانة المتوكل بالإمبراطور سيباستياو فقد استغاث عمه عبد الملك سلطان المغرب المُلقب بأبو مروان بالدولة العثمانية وكان قد دخل المغرب بقواته 1576 وانتصر في معركة قُرب فاس بينما فرٌ خصمُه المتوكل من المعركة ولٌى عبد الملك علي فاس أخاه أحمد ثم ضمٌ مراكش ولاحقت جُيوشه المتوكل الذي استصرخ بملك البرتغال بعد أن رفض ملك اسبانيا نُصرته، وحرٌض المتوكل سيباستياو على نصرته على عمٌيه عبد الملك وأحمد مُقابل أن يتنازل للبرتغال عن جميع شواطئ المغرب، فاقتنع وجهٌز الجيوش تحت شعار حملة صليبية جديدة.

 

وعلى الرغم من أن خاله ملك أسبانيا حذٌره من النتيجة فإنه زوٌده بالسُفن وبعشرين ألفا إضافة إلى من جنٌدهم سيباستياو من البرتغال وكانوا اثني عشر ألفا، وجامله البابا بأربعة آلاف، كما أمده الإيطاليون بثلاثة آلاف، والألمان بثلاثة آلاف. رغم هذا فقد انتصر السعديون بمُساعدة العثمانيين. وبعيدا عن وصف المعركة وتفصيلاتها فقد أسفرت عن موت ثلاثة ملوك كانوا هم : سيباستياو، والمتوكل الذي حرٌضه، وعبد الملك أحد المُحرٌض عليهما وقد كان مريضا جدا قبل المعركة لكنه أصر على حضورها وقد انتصر جنوده السعديون وخلفه أخوه أحمد الذي تسمٌى بأحمد المنصور وتولى عرش المملكة السعدية باسم سلطان المغرب منذ ذلك اليوم في 1578 حيث بويع في ساحة معركة وادي المخازن (أو القصر الكبير) وحتى وفاته 1603 وكان عهده أزهى عهود الدولة السعدية في الثقافة والحضارة والعلم والقوة.

 

أما البرتغال المتعصبة فقد انتهت تماما في تلك المعركة ذلك أنها فقدت جيشها وأركان دولتها وملكها الذي لم يكن له وريث فاستدعوا عمٌه من الرهبنة ليكون ملكا لكن خال سيباستياو الذي كان ملكا لإسبانيا رأى أن الأمر لن يستقيم إلا بأن تستولي أسبانيا على البرتغال وهو ما فعله بنفسه بعد أقل من عامين في 1580. صحيح أن ملك أسبانيا لم يكن أقل عداء للإسلام والمسلمين واليهود من ملك البرتغال الذي مات شابا لكن الأمور تغيٌرت في اتجاه بدأ يُدرك أن التعصٌب الكاثوليكي لا يُمكن أن يستمر على هذا النمط الذي رسمته إيزابيلا الأولى صاحبة محاكم التفتيش، وذريتها من بعدها. لكن الطريف أن البرتغاليين استعاروا من طائفة من المسلمين فكرة الإمام الغائب، وطبٌقوها حرفيا على سيباستياو فقالوا إنه لم يمُت، وإنما غاب، وإنه سيعود، وحتى الآن تتعرض البرتغال لمغامرات شيقة يقوم بها من توحي إليهم نفوسهم أن يزعم أحدهم أنه سيباستياو وأنه سيملأ الأرض عدلا.

 

أما الخليفة العثماني الذي وقعت في عهده معركة الملوك الثلاثة والذي جاءت قواته من الشرق فهو السلطان مراد الثالث (1574 ـ 1595) وهو حفيد السلطان سليمان القانوني الذي تعاصر مع جدي سيباستياو: الإسباني كارلوس الخامس والبرتغالي جوان الثالث.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة