لماذا انهزم المجتمع المدني في الثورة السورية أمام نفسه؟

تدخل الثورة السورية خلال الأيام القادمة عامها الثامن، وقد مرت بما مرت به من تحولات كان لها تأثيرها المباشر على المجتمع السوري، وهو الأهلي بطبيعته والذي تتداخل في مكوناته عصبيات مختلفة الاتجاهات، منها الديني والطائفي والقومي والمناطقي والجهوي. في الوقت ذاته يعنون الكثير من النخبة والنشطاء السوريين هدف الثورة الرئيسي والذي عبرت عنه اللافتات الأولى لمظاهرات الثورة بالانتقال إلى دولة الحريات والعدالة الاجتماعية، تلك الدولة التي لا يمكن أن تنشأ بشكل سليم ضمن المناخ الديمقراطي إلا بتحول العلاقات في المجتمع السوري من النمط الزراعي الأهلي إلى العلاقات المدنية، أي بإحلال المجتمع المدني بدل البنى التقليدية التي يتشكل منها مجتمع السوريين، لكن هل استطاع نشطاء المجتمع المدني بناء منظمات يمكنها أن تكون نوى حقيقية لهذا المجتمع؟

إن نظرة واحدة لذلك المجتمع تظهر جلياً أن آلاف المنظمات ذات التوجهات والنشاطات المختلفة قد فشلت في إحداث تأثير يتناسب مع حجمها وعددها وتمويلها، بل على العكس الكثير منها أدى إلى ترسيخ المجتمع الأهلي ودعم البنى التقليدية القائمة، ورغم أن الظروف الموضوعية التي يمر بها السوريون عموماً لها دور كبير في ذلك الفشل، إلا أن إشكالات ذاتية في بنى وتركيبة وطبيعة تلك المنظمات أدت إلى تأكيد ذلك الفشل، بل وأحياناً التسبب به، وفتح الباب واسعاً أمام التيارات الارتدادية.

اندرجت منظمات المجتمع المدني في الثورة ضمن ثلاث تصنيفات حملت كل منها عوائقها الذاتية في تحقيق غاية قد لا تكون متعمدة أو مدرجة في خطط بعض تلك المنظمات

قبل الثورة كل ما يقال عن مجتمع مدني في سوريا هو حالة من جهل بأصل التعريف ومعناه، فالمجتمع المدني ليس بهياكل منظمات قائمة مثل اتحاد العمال والاتحاد النسائي والنقابات وغير ذلك من الجمعيات والمؤسسات والمنظمات والنقابات والاتحادات التي تلبس بهتاناً لبوساً حداثياً، إلا أنها لم تتشكل استجابة للتحديات التي واجهت المجتمع السوري، بينما كان تشكيلها سلطوياً فوقياً، فأول ما يحتاجه المجتمع المدني هو تواجد حيز عام مفتوح ينشط فيه، في حين كان الحيز العام في المجتمع السوري منغلق من قبل السلطة وعلى السلطة نفسها، وبالتالي لم تكن تلك المنظمات سوى كانتونات هزيلة مهمتها تدعيم سلطلة الاستبداد، وتحولها لمداجن لتفريخ "الشبيحة" عند الحاجة.

في الوقت نفسه في مرحلة تسلم بشار الأسد للسلطة بدأت قوى معارضة تحاول مديَنَة المجتمع السوري، ولكنها كانت تهدف بالأساس للدخول للنضال السياسي من بوابة المجتمع، وأبرز تلك التشكيلات لجان إحياء المجتمع المدني، ومكاتب حقوق الإنسان. مع بداية الثورة بدأت تتشكل أولى منظمات المجتمع المدني التي تداعى لها أفراد عاديون من المجتمع لبنائها، وجاءت في صلب تعريف المجتمع المدني على أنه مفهوم متغير يحاول الإجابة على أسئلة وحاجات جديدة تأتي في سياق متغير تاريخياً وبنيوياً 1، وكانت الثورة هي هذا السياق، وجاءت تنسيقيات الثورة كأولى منظمات المجتمع المدني، التي أفرزتها الحاجة للتنظيم وحماية المتظاهرين والإعلام.

مع تطور الحراك بدأت منظمات أخرى منها كان توسعاً في المنظمات القائمة مثل اتحاد تنسيقيات الثورة، ومنها ما أفرزته متغيرات جديدة مثل منظمات الإغاثة ومن ثم بعد تحرر مناطق كثيرة من قبل النظام منظمات تعليمية وإدارة محلية وغيرها، في المقابل بدأت منظمات عالمية وخاصة غربية تقيم مشاريع لتقوية المجتمع المدني، أو بالأحرى هذا ما تم الحديث عنه، واندرجت منظمات المجتمع المدني في الثورة ضمن ثلاث تصنيفات حملت كل منها عوائقها الذاتية في تحقيق غاية قد لا تكون متعمدة أو مدرجة في خطط بعض تلك المنظمات، وهي ترسيخ مجتمع مدني قائم على هدم البنى التقليدية لإحلال قوى مدنية جديدة غيرها، وهذه الأصناف هي:

– منظمات خادعة: وهي منظمات تمتلك مجالس إدارة ونظاماَ داخلياً وحتى أحياناً انتخابات دورية، ولكنها تقوم بشكل رئيسي على أساس العصبية، حيث أن كل تلك الأشكال الحداثية و"اللمسة الديمقراطية" للمنظمة لا تغير من واقع ارتباطها بأشخاص لا يتغيرون أبداً، أو تعود "ملكيتها" لعائلة أو طائفة أو جماعة إيديولوجية، وعلى رأسها المنظمات الإغاثية، والتي كانت تهدف للترويج للقوى المسيطرة عليها، مما جعلها معاكسة لإحقاق مجتمع مدني، فبدل أن تحاول الانتقال في المجتمع من نمط العلاقات الأهلية قامت بنقل العلاقات التقليدية إلى داخل المنظمة نفسها، وارتبط نشاطها أيضاً بالناس التي ترتبط معها بالعصبية ذاتها، مما أضاف عاملاً جديداً على تقوية البنى التقليدية إلى كل العوامل المشجعة لها في الأصل.

الحداثة بأكملها قائمة على الفرد وليس الجماعة فقد ذلك المجتمع المدني قدرته على التطور والنمو في التربة السورية، لأن هناك مشكلة تكمن في الأفراد لم يتم الالتفات إليها أبداً

– منظمات قاصرة: وهي منظمات تداعى لها مواطنون تربط بينهم مصالح تفرضها علاقات مهنية كبنى نقابية مثل هيئة المحامين الأحرار والهيئة العامة للرياضة والمهندسون الأحرار وغيرها، وهذه المنظمات امتازت بالنزوع لإرساء بنى سلطوية وتحقيق منافع شخصية على ضآلتها بدل من القيام بحماية مصالح أفرادها، فمثلاً لم تستطع هيئة المحامين الأحرار مقاومة قرار الهيئة الشرعية في مدينة حلب بمنع حق الترافع للمحامي في محاكمها عام 2013، علماً أن هناك بعض القضاة والموظفين في الهيئة الشرعية هم أفراد في هيئة المحامين الأحرار! وسرعان ما تبرز في تلك المنظمات الانشقاقات والتشرذم والقائم في معظمه أيضاً على العصبيات الجهوية أو المناطقية مستقوية بسلاح الفصائل أحياناً، وبجهات التمويل أحياناً أخرى. كذلك الأمر في مجالس الإدارة المحلية، فنتيجة أيضاً العصبيات المترافقة دائماً مع الطموحات، وأولوية الولاء على الأداء في بنى العصبية دعمت الهيئة الشرعية في حلب في أوائل 2013 مثلاً تشكيل مجالس أحياء موازية لمجالس الأحياء التي شكلها النشطاء المدنيون، فبات في كل حي مجلسا محلياً وآخر "محلياً إسلامياً"، بل بسبب نجاح نشطاء مدنيون في انتخابات مجلس المدينة عام 2013 تم محاربته من قبل مجلس المحافظة المدعوم حينها أخوانياً حسب تصريحات كثير من أعضاء مجلس المدينة، وحسب العدائية التي تم التعامل فيها بين الطرفين. لم تؤد أيضاً هذه المنظمات الهدف المرجو من إرساء أسس لبناء مجتمع مدني في سوريا، بل على العكس كانت دائماً ضعيفة أمام العصبية الإيديولوجية أو المناطقية أو القبلية، وسرعان ما تتساقط أمام البنى التقليدية الراسخة.

– منظمات الفورمولار: وهي المنظمات التي يقوم بناؤها بالأساس على تحصيل دعم من منظمات غربية تشطت في المجتمع السوري إبان الثورة، وتشترط المنظمات الغربية عادة طبيعة المشروع والهدف القائم منه بغض النظر عن حاجة المجتمعات المحلية وطبيعة تلك المجتمعات التي من المفترض أن تكون تلك المشاريع لخدمتها، وبمعنى أدق تنشأ تلك المنظمات والمشاريع ليس بناء على حاجة تلك المجتمعات، وإنما على تصور المنظمات الغربية لتلك الحاجة، وأيضاً عند تحصيل منظمة صغيرة ما دعماً معيناً، يتم إشغال المهام من قبل أعضاء العائلة أو القرية أو أية عصبية يلتزم بها الشخص الذي تحصّل على التمويل.

من المجحف أن لا يتم رؤية إنجازات عديدة للمنظمات المدنية على المستوى الإنساني والاجتماعي والثقافي والسياسي، ولكن قياساً لعدد تلك المنظمات وكم الأموال التي صُرِفَت عليها ومن خلالها فإن حساباً بسيطاً بين المدخلات والمخرجات يمنح صورة واضحة عن فشل كبير مُنِيَتْ به، كما لا يخفى على أحد المحاولات العديدة لنشطاء وشباب الثورة لبناء منظمات مدنية تدعم الحراك والثورة والانتقال للمجتمع المدني، وخاصة في المجال الإعلامي، ولكن لضرب العصبية جذورها عميقاً في العقل السوري كثيراً ما وصلت تلك المنظمات لفشلها، ولأن المجتمع المدني، بل الحداثة بأكملها قائمة على الفرد وليس الجماعة فقد ذلك المجتمع المدني قدرته على التطور والنمو في التربة السورية، لأن هناك مشكلة تكمن في الأفراد لم يتم الالتفات إليها أبداً.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة