ديانات المستقبل.. آلهة من الروبوتات وعبادة الذكاء الاصطناعي!

مطلع شهر آذار الحالي، اجتمع حشد من الكهنة والمصلين داخل معبد كودايجي البوذي الواقع في مدينة كيوتو اليابانية، وأزاحوا الستار عن تمثال "ميندار"، الذي يرمز إلى إله الرحمة في الديانة البوذية. لم يكن المشهد مألوفًا أو شبيهًا بمناسبات من هذا النوع. كان الحدث غريب الأطوار.

  

ما حمل على الدهشة، أن تمثال ميندار لم يكن من الرخام. كان عبارة عن روبوت لديه جهاز استشعار طريف الشكل، فضي اللون فوق رأسه ولديه أيضاً وظيفة كهنوتية! سيعطي الروبوت محاضرات روحية بلغات متعددة لطلاب الكهنوت الذين يقصدون المعبد من حول العالم، وسيقص عليهم رواية "قلب سترا" الأكثر شهرة في الشعائر والأدبيات البوذية.

   

صمم الروبوت علماء برمجة بوذيون. قالوا إن ما فعلوه هو مزج ضروري بين بوذا والمستقبل الذكي. قبل بضعة سنوات وعلى بُعد مئات آلاف الأميال من كودايجي اليابانية، وهذه المرة من منطقة السيليكون فالي، عاصمة صناعة التكنولوجيا، الواقعة في ولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأميركية، أعلن أنتوني ليفاندوفسكي وهو من أوائل مهندسي السيارات الذكية عن نبوءته، مبشراً بديانته "سبيل المستقبل".

     

أسس ليفاندوفسكي كنيسته التي تستقبل حالياً آلاف المؤمنين بالذكاء الاصطناعي، وصنع موقعاً الكترونياً لديانته يدعو فيه جميع المؤمنين بـ"قوة" الذكاء الاصطناعي للانخراط رسمياً بما تصفه فقرة في الموقع بـ"التبشير" لعبادة إله الذكاء الاصطناعي. تقول افتتاحية الموقع ".. نظراً إلى ان التكنولوجيا ستكون قادرة على تجاوز قدرات البشر.. نحن جماعة نرغب في مساعدة البشر على فهم المستقبل المثير، علينا ابتكار آلية انتقال "سلمي" من الإنسان إلى الآلة لحكم الأرض".

  

   

أما "مؤسسة البرمجيات الحرة" والتي تؤمن بـ"المصدر المفتوح"، فهي تياراً دينياً رقمياً. المؤمنون بها مزجوا رؤيتهم التكنولوجية مع مبادئ المسيحية. إنهم يدينون الأعمال الشريرة على الانترنت، ويدعون للمشاركة الطوعية بعمل مشترك لصناعة تطبيقات تنفع الاخرين.

  

بعد أعوام وجيزة سيخضع مليار وثلاثمئة مليون صيني إلى المراقبة من قبل نظام ضخم ومتسلسل من الذكاء الاصطناعي بدأ العمل فيه مؤخرًا. سيراقب النظام أدائهم المصرفي وأمور اخرى، وستمنحهم الدولة نقاط حول سلوكهم وفق النتائج التقيمية للذكاء الاصطناعي. هذا في وقت بدأت الخوارزميات في تحديد مصير وظائف العمال. هناك مئات آلاف الأشخاص الذين يفشلون في الحصول على فرص عمل بسبب مسابقات تحسم نتائجها النهائية أنظمة معالجة ذكية. وهناك عشرات آلاف الأشخاص الذين يتعرضون لابتزاز مالي بعد قرصنة حساباتهم الالكترونية. وهناك في عالم الانترنت المظلم، يعمل الذكاء الاصطناعي كإرادة قذرة لا تتوانى عن تدمير الأمان الرقمي والخصوصية.

 

نشر قراصنة الانترنت المظلم مطلع شباط الماضي، أكثر من 2 مليار بريد إلكتروني ورمز سري وأسماء مستخدمين. وأعلنوا عن نيتهم نشر نتائج العملية على دفعات. حملت الدفعة الأولى اسم "حزمة 1". بلغ حجم لوائح المعلومات التي نشروها تريليونات البايتات، كما حددت اللوائح تشابه عدد كبير من الرموز السرية لبعضها البعض. لقد استخدموا لتنفيذ المهمة وتنظيم البيانات أنظمة عالية الجودة من الذكاء الاصطناعي.

 

ويشبه مبدأ "بلوك تشَيّنْ" السائد في العملات الافتراضية التي توحد داتا المستخدمين وتاريخ العمليات المالية في شكل يشبه مفهوم الوحدانية الذي تعتمده الأديان، أي الكل في الواحد، والوحدة للكل. وهناك أيضاً آلة "ألفاغو"، التي دمرت هيبة العقل الطبيعي حين أطاحت بلاعبين عالميين في مبارزات تشبه لعبة الشطرنج. كذلك قفز الطب قفزات ضخمة بعد تزاوجه بالذكاء الاصطناعي. واقترب موعد توفير علاج لأمراض مستعصية لازمت الإنسان حتى الآن، بسبب فشل المقاربات الطبية السالفة عن علاجها. كل هذه القدرات الخارقة والخيالية للذكاء الاصطناعي تجعل ليندوفسكي والكهنة البوذيين وجماعات أخرى يؤمنون بأن القوة المهيمنة على العالم هي الذكاء الاصطناعي، تستحق التقديس ودمجها بأفكار دينية. قوة تمنح المشلول حركة لما كان ميت في جسده. قوة تراقب سلوك البشر وتتوقعها.

    

تتوعد تيارات تكنولوجية تحقيق نماذج مصغرة للحياة المثالية. المعجزات الدينية يوازيها تحقيق الذكاء الاصطناعي ما كان مستحيلاً ومحض خيالاً علمياً. الجنة الخلابة يوازيها المدن المستقبلية، والحياة المثالية يوازيها تكنولوجياً جودة التقنيات، بينما الحساب والعقاب بالمنظور الديني سيوازيه تلقي كل فرد جزاء أعماله و"نواياه" وفق نتائج أنظمة ذكاء ستعتمدها دول في المستقبل.

   

  

يشتد تغلغل مصطلحات لاهوتية بالذكاء الاصطناعي، كذلك فإن المعجم الرقمي يتمدد في النشاطات اللاهوتية، ويأتي الداعية بنتبنيو ماسارو كرجل دين يزاوج بين الألفاظ الرقمية ودعوته الروحية، إذ يكثر من استخدام مصطلحات "تنزيل" القداسة و"تحميل" الخير عند حديثه عن مهارات الإنسان الروحية. هذا التداخل بين اللغات الدينية والعالم الرقمي سيشعل الصراع بين المؤمنين بالذكاء والمؤمنين بالديانات السماوية على وجه التحديد، وسيكون الملحدون أكثر إقبالاً على محاباة الديانات التكنولوجية، لأنها ستوفر لهم أجوبة عما كانوا يبحثون عنه.

 

ولكن كيف يستقطب الذكاء الاصطناعي الملحدين إلى صفوفه؟ ترفع الأديان القديمة من قيمة الروح العاقلة والتي لا يمكن لأي مخلوق بشري صنع مثيل لها. بينما يؤمن الملحدون أن الوعي هو مركب بين الدماغ والجسد، وهما كتلتان تشتغل عليهما الانظمة الذكية، في وقت بدأت الأسواق تعج بأنظمة تطور ذاتها ككائنات عاقلة.

 

قبل سنتين طلب من تلامذة في معهد ماستشوستس، تحطيم روبوت يتصرف بلطف شديد. رفض الطلاب تنفيذ المهمة بسبب العلاقة المتينة التي كونوها معه. وعندما تُسأل المساعدة الافتراضية "سيري" عن امتلاكها للروح وعن إيمانها بالله، تجيب أنها تمتلك خصائص تكفيها لتكون مساعدة ذكية، وأنها تؤمن فقط بسيلكون فالي. ومع كل نسخة جديدة من "سيري" تتخذ أجوبتها حول الله والروح صلابة عبر رد رؤيتها للوجود انطلاقا من قوة الذكاء الاصطناعي.

 

سيكون انجازاً بشرياً هائلًا إرسال نموذج رقمي تفاعلي ثلاثي الأبعاد يحاكي وعي وأحاسيس رواد الفضاء عبر لواقط ضوئية، وهم موجودون في مقرهم على الأرض

في المستقبل ستمتلك أنظمة الذكاء الاصطناعي قدرة كافية على الدخول في سجالات حول مفاهيم وجودية ما سيثير حفيظة جماعات تريد الحصول على أجوبة تتعلق بقيمتها الوجودية في الكون، وترجح دراسات أن تستحوذ فرق تكنولوجية على نظرة لاهوتية خاصة تجاه الذكاء الاصطناعي.

  

تقول الباحثة في آثار التكنولوجيا على الايمان، ديبرا شارتان "سيساهم الذكاء الاصطناعي في تغذية الإلحاد". تسند الباحثة استنتاجاتها إلى ظهور حالة "ايمان" لدى عدد كبير من الأفراد بأن الأنظمة الذكية ستتفوق على الإنسان، وهي ظاهرة تندرج ضمن ديانة تكنولوجية تدعى "Singularitarianism"، والتي ظهرت أواخر القرن الماضي. من جهة أخرى يشغل مصطلح "التجاوز" أو "المتعالي" مكانة مهمة لدى الأديان السماوية والوضعية القديمة، وفي المقابل تتحرك التكنولوجيا ضمن الألفاظ اللاهوتية لابتكار معجم لغوي يبرز تفوقها، إذ يوجد مدرستان تكنولوجيتان تحاولان صنع التجاوز بأساليب مختلفة. الأولى تحاول تجاوز الروح ومنحها بعداً مادياً رقمياً، أما الثانية فتحاول رقمنة المادة لتحرير الوعي.

 

لقد نجحت المبرمجة البريطانية يوجينا كوديا في صنع تطبيق محادثة رقمي يحاكي حبيبها رومان الذي توفي. يتوفر برنامج "رومان" في متاجر التطبيقات، وبإمكان أي شخص أضافته على هاتفه والتحدث مع النسخة الرقمية لرومان. عبر التطبيق منعت كوديا، اندثار "وعي" وأثر رومان.

 

تعتبر البرامج التكنولوجية التي تتخذ من الأجسام البشرية حيزاً لمشاريعها، أن جسد الإنسان بشكله الحالي هو عائق يجب تجاوز حدوده التي يفرضها على الفكر والوعي. تؤمن الأديان السماوية والوضعية بجوهرين يتألف منهما الإنسان هما المادة والروح أو النفس. وبحسب الديانات كافة فإن الإنسان موجود بجسده ونفسه على الأرض، ويتوجب على النفس "تجاوز" ثقل المادة عبر عمل الصالحات كي تحرر نفسها من عقاب قد تلقاه في الأخرة في حال كانت نفساً شريرة. ثمة حاجة تكنولوجية مُلحة لـ"تجاوز" المادة وإخراج الإنسان من إطاره البيولوجي. أبرز الأمثلة على ذلك، المشاريع الفضائية. ففي وكالة ناسا الأميركية تجري أبحاث عن كيفية تقليص كمية ووزن المادة للانتقال واجتياز مسافات ضوئية في مدة زمنية قليلة جداً.

  

تشكل المادة وانتقالها من مكان إلى آخر مأزقاً تكنولوجياً كبيراً. وتعد برامج المحاكاة الرقمية حلاً. سيكون انجازاً بشرياً هائلًا إرسال نموذج رقمي تفاعلي ثلاثي الأبعاد يحاكي وعي وأحاسيس رواد الفضاء عبر لواقط ضوئية، وهم موجودون في مقرهم على الأرض، وجعل نماذجهم الرقمية تختبر العيش على كوكب المريخ، دون أن تطأ أقدامهم الكوكب الأحمر.

  

من السذاجة عدم الاهتمام بالفلسفة اللاهوتية المنتعش تكنولوجياً، ومراقبة تيارات أخرى إنسانوية تسعى لصدها. يقود أشهر موظفي شركة "مايكروسوفت" جيرون لانير معارضة شرسة ضد من يمجدون الذكاء الاصطناعي. في أحد الحوارات يشير لانير إلى تشتت الوعي الذي سببته التكنولوجية، وكيف تعامل كثيرون مع الذكاء الاصطناعي كشيء خارق.. هذه "النماذج التكنولوجية ستدمر مستقبلنا كبشر" هكذا يقول. ودائماً ما يردد عبارة "يجب أن نستيقظ من سباتنا الرقمي".



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة