شعار قسم مدونات

حين ينتهك القانون الفرنسي الحريات العامة

blogs السترات الصفراء

مند منتصف السنة الفائتة، والحكومة الفرنسية تواجه احتجاجات، من قبل حركة السترات الصفراء، لازالت متواصلة إلى يومنا هذا، في عدد من المدن. المفاجأة، أن الذي لم يكن متوقعا من مسار هذه التظاهرات، هو خروج وسط المتظاهرين السلميين، العديد من المخربين الراديكاليين المجهولين (مقنعي الوجوه بأوشحة) معرجين بها في اتجاه الشغب والفوضى؛ بعد أن نجحت الحركة في لي ذراع الحكومة، وإرغامها على التراجع عن قرارها بشأن أسعار الوقود، فاضطرت هذه الأخيرة كما معلوم الان، إلى اعلان رفع الضرائب على المحروقات لمدة 6 أشهر، في محاولة منها للتهدئة واحتواء الوضع.

 

إلا أن السلطات الحكومية لم تكتف به هذا الإجراء، بل ألح مسؤولوها في عدد من الخرجات الإعلامية، على التعهد بتعقب منفذي التخريب ومرتكبي الشغب خلال أحداث الاحتجاج العنيفة، التي تركت خلفها حصيلة ثقيلة من الخسارات المادية. تحذيرها الرسمي، وجد صداه في اقتراح مشروع قانون عقابي قدم للبرلمان الفرنسي، يستهدف كل من تسول له نفسه الانضمام للمظاهرات والتجمعات بنية التخريب أو بنية الدخول في عنف ضد ممثلي السلطات الأمنية، ويمنح حكام المناطق صلاحية منع التظاهر غير المرخص له دون اللجوء إلى السلطة القضائية.

 

بالنسبة لكثير من الخبراء الحقوقيين والمحامين المستقلين عن الهيئات السياسية، مشروع قانون من هذا النوع المتشدد، ينتهك حقا أساسيا مرتبط مباشرة بحرية التعبير عن الرأي؛ ولو عبر سلوكيات وتصرفات تعتمد على حراك الشارع وعلى آليات الاحتجاج، لأنها رغم كل شيء تبقى في عيون الشعب حرية محمية دستوريا.

 

من حيث المبدأ، ضامن الحريات الفردية في فرنسا هو القاضي المستقل، هو الذي لديه مهمة حرمان شخص من حريته، إذا كان ثمة دليل ملموس يدينه. ولا يمثل محافظ الدائرة أو حاكم المنطقة

أما الدفع بحجة: أن رغبة حكومة ايمانويل ماكرون من خلف تشريع هذا القانون، تقتصر فقط على محاربة العنف المنفلت الذي يتم استغلاله بوحشية، من طرف حركات راديكالية متخفية، معادية لمبادئ الجمهورية، فإنها لا تفعل إلا أن تزيد من صلاحيات الإدارة الأمنية التابعة لها والتابعة هرميا إلى قطاع الداخلية، على حساب دور السلطة القضائية المستقلة عن كل السلط التنفيذية، والتي لها الأولوية دستوريا في التحكيم. بل أكثر من هذا، هناك ارتياب متزايد في أن مشروع قانون كهذا، قد فصل على مقاس نموذج أقرب في مضامينه، من روح القوانين التي تدبج في حالة الطوارئ أو لاستباق الضربات الارهابية والوقاية من خططها

 

ثم لأن هذا التدبير الجديد، المراد المصادق عليه من نواب الغرفتين، ينقل تطبيق القانون، من دائرة القضاء المختص في الفصل بين ما هو محظور وما هو مسموح به مجال الحقوق المكفولة دستوريا، إلى أيدي من يتحكمون في إصدار صكوك المنع البيوقراطي ويحسنون إداريا باحترافية، التخويف من مواقف الاحتجاج المشروعة مطالبيا (عندما تتفاقم الامور ويتصاعد التوتر) وإدراجها في خانة حالة الطوارئ.

 

وهكذا يتم السماح للسلطة الإدارية الأمنية، في شخص المدعي العام او محافظ المنطقة، بإصدار امر، بمنع منعا كليا بالتحرك أو الالتحاق بمكان التظاهر، أي شخص حر يحتمل ان يشكل تهديدا خطيرا على النظام العام، قبل حتى تسجيل حضوره بين المحتجين. ثم هكذا يتحايل مشروع القانون على القاضي الفرنسي، الوصي الفعلي على الحريات الشخصية، ويمنح عوضه للإدارة الأمنية، مهمة تقييم منسوب الحرية اللازم للمحتجين في التظاهر وحتى ترك الأمر لها كليا، لإيجاد أسباب تسمح أو تمنع أشخاص محددين، بالانضمام الى التجمعات الاحتجاجية حسب درجة خطورتهم وانطلاقا من البيانات السرية التي لديها عنهم.

 

من حيث المبدأ، ضامن الحريات الفردية في فرنسا هو القاضي المستقل، هو الذي لديه مهمة حرمان شخص من حريته، إذا كان ثمة دليل ملموس يدينه. ولا يمثل محافظ الدائرة أو حاكم المنطقة الذي يمثل الدولة ويتلقى تعليماته من الحكومة، هذا الضمان القانوني، لعدم استقلاله بالكامل عن المهمات السلطوية ولتبعيته لجهاز آخر.  ربما كل هذا، يستدعي منا الرجوع قليلا إلى المعاهدات، والتعريف بما تتضمنه القوانين والحقوق المتعلقة بممارسة حرية التنقل والتواجد في الأماكن العامة، في دولة غربية كفرنسا عرفت بانها مهد الثورة الدينوقراطية والحريات الحديثة.

 

أولا الفضاء العام، هو المكان الذي يتاح فيه للمواطنين الفرنسيين، ممارسة أغلب الحريات الأساسية، المكان المناسب لكل جماعة، تريد إيصال أراءها علانية أو الضغط انطلاقا من حراك الشارع على السلطة السياسية الحاكمة، بالتعبير عن مطالبها عبر الاحتجاج وممارسة حقها في التظاهر وكذلك التجمع. هذه الحقوق، تستمد طبعا مشروعيتها من المبادئ الأساسية، التي تعترف بها قوانين الجمهورية الخامسة، وغالباً ما تكون مرتبطة ببعضها البعض ونعني بهما حق التظاهر وحق التجمع. فالحق في التظاهر، متفرع من حقوق الإنسان عامة، وحق حرية التعبير (بند أساسي من الدستور) في حين أنه قريب جدا، من حق التجمع، بموجب مادة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، المعترف بها من طرف الدولة الفرنسية.

  

لا ينبغي لمشروع قانون بمثل هذه الحدة الانزلاق في هودة التعارض مع هذا الالتزام الواجب من طرف القوات العمومية تجاه حريات الأشخاص

ممارسة هذه الحريات العامة هي إذن حق محمي واي عرقلة لهذه الممارسة، بطريقة مستهدفة، مع استخدام التهديدات، هي جريمة يعاقب عليها بالسجن والغرامة.  وتزداد العقوبة لمدة سنوات في حالة ارتكاب أعمال عنف ضد الأشخاص الآمنين أو في حالة التخريب وإلحاق الضرر بالممتلكات العمومية والخاصة. ومع ذلك، فإن ممارسة حقوق التظاهر والتجمع في الفضاء العام من المرجح أن تسبب إخلال بالنظام العام وتؤدي إلى منزلقات أو إلى مخاطر على الأشخاص المتواجدين فيه أو على أغراضهم التي تبرر القيود القانونية والتنظيمية حمايتها. وبالتالي يمكن أن تتصادم مع حقوق أو حريات أخرى، مثل الحق في الإضراب أو حرية العمل.. الخ

 

في مثل هذه التوترات الاجتماعية الخيارات الوحيدة المشرفة للسلطات العامة، هو الإشراف على مواكبة مجريات الأحداث التظاهرية، وتأمين نجاحها وفقا للمواثيق الأوروبية لحقوق الإنسان. التي تقر أن على الدول الأعضاء، التزام ضمان حرية التظاهر وكفالتها على أرضها السيادية، لأنها مبدأ معبر عن جزء من القيم الأساسية التي هي جوهر اقامة أي مجتمع ديمقراطي حقيقي.

 

فإذن لا ينبغي لمشروع قانون بمثل هذه الحدة الانزلاق في هودة التعارض مع هذا الالتزام الواجب من طرف القوات العمومية تجاه حريات الأشخاص. وبالتالي يجب على الدولة حماية اولا حق الاحتجاج وليس الاحتراز منه والتضييق عليه. فخدعة تحويل انتباه الرأي العام لاستنكار العنف الحاصل من أحداث الاشتباك في الشارع والإلحاح فقط على البدائل القانونية الرادعة للوقاية منه، لن تنجح، لأنها بكل بساطة تبتغي إغفال أمر ملح ألا وهو المطالب الاجتماعية المتزايدة التي تنعش حيوية التظاهر والاحتجاج، وتجعل زخمه يستمر. بالإضافة إلى أن هناك، في سلة القوانين الفرنسية ترسانة تشريعية كافية للغاية، لمكافحة أعمال الشغب التي تشوش على مسار المظاهرات السلمية.

 

 فبدلاً من قانون تسلطي جديد، يقترح الحقوقيون إعادة تصور استراتيجية أمنية أكثر مرونة في التعامل، من خلال تفضيل منطق فتح الحوار، مع الجبهات المحتجة، وإزالة فتيل التوتر، كما هو الحال في البلدان الديموقراطية الأخرى، المؤمنة بشرعية الاحتجاج كوسيلة لإيصال الرأي ولو بطرق انفعالية متذمرة من الأوضاع القائمة. لأن في الأخير، تجريم حرية المتظاهرين في النزول إلى الشارع للاحتجاج، وتكبيلها بقوانين اكراهية وظيفتها مطاردة المشتبه فيهم، بذريعة أن لهم سوابق في ارتكاب أعمال العنف؛ نقول التحريم في مثل هذه المواقف، يتعارض مع المثل العليا التي نادت بها جمهوريات فرنسا عبر تاريخها العريق، ولن يؤدي إلا إلى عدم الثقة في مبدأ الحاجة إلى السلط الحاكمة وفي شرعيتها السيادية لتعزيز الديموقراطية.