حكايةُ شهيد مع الدستور الجديد!

‏متى يفيق النائمون

شهداؤنا بين المقابر يهمسون
في الأرض ترتفع الأيادي
تنبت الأصوات في صمت السكون
تتساقط الأحجار يرتفع الغبار
تضيئ كالشمس العيون
شهداؤنا خرجوا من الأكفان
وانتفضوا صفوفا ثم راحوا يصرخون
عار عليكم أيها المستسلمون
وطن يباع وأمة تنساق قطعانا
وأنتم نائمون…

يا لك من بائس! هل ستبقى تردد هذه الأبيات الأليمة! ولكأنك لم تحفظ غيرها! رغم بطولتك الكبيرة وعمق الجرح في أشلائك الباقية إلا أنك تبقى ذا نظرة سوداوية، أنسيتَ أننا أمة فُطرت على الخيرية في الأعمال والأفعال!، نحن بنو الأمل، عيون الشمس، هالة القمر، نحن النجوم التي تتراءى لأمنا الثكلى بعد استشهادنا، نحن النسمة التي تلفح بنياتنا كلما مالت عليهم الدنيا، نحن الماء الذي يعيد روح الثأر لكل ظامئ، ألن تكف يا صاحبي؟ أجابه صديقه أو بقايا صديقه بسُخريةٍ مُرة:
أتكفُ الام عن نحيبها؟
أيكف الولد عن حب أبيه؟
أتقف الشمس بلا غياب؟
أيبقى القمر بلا أفول؟
الحقيقةُ يا رفيقي أننا بؤساء حقاً..

من حديث إلى حديث، مر ذكر دستور جديد، وقف الشهيد وصاحَ، بالله عليكم أخبروني هل سقط الطاغوت حتى نبدأ بالدستور؟ هل حررنا الأرض ورفعنا الرايات؟ أم أنكم تتكلمون عن أمور أخريات؟

عندما تموت دماؤنا، وتغدو قبورنا مكاناً لا يعدو عن كونه مقبرة، وينسى الناس أننا ضحينا بالروح.. بالحياة على عظمة هذه المعاني إلا أننا أقبلنا على الموت وبعنا واشترى الله منا وربح بعينا بإذنه عز وجل، ولكن.. لكن لن يموت هذا السؤال في جوفي يا صديق، كيف يمكن أن ننسى بهذه الطريقة الأليمة، كيف يمكن أن نغدو مجرد أسماء تتبع بـ (يرحمهم الله) بدون حرقة الثأر وتوهج الألم وألق الصدق. نعم يا رفيقي نسينا كأننا لم نكن.. وفي خضم هذا الحوار الشائك بين الشهيد ورفيقه الشهيد تُسمع أصوات من فوق الأرض (عالم الأحياء)، الأصوات مدوية حد الخوف: 

– أسمعتَ يا صديقي! هذه معركة ثأر، لم ننسى كما تقول ولن ننسى محال أن يكون ذلك
– أتمنى ذلك من كل.. صحيح لم يبق لدي قلب فليكن من كل روحي..
– يوم واحد فقط في عالم الأحياء لأعلم ما يجري ولأعيد لك الأمل الذي اختطفته منك الأيام، هذه أمنيتي الآن.. يوم واحد فقط..

في برهة واحدة، ومسافة ما بين الكاف والنون كن فيكون، أمنيات الشهداء لا ترد.. وجد الشهيد نفسه فوق الأرض!
– اللهم لك الحمد..
اتجه نحو الأصوات المدوية، ارتسمت على ثغره ابتسامة سامية حينما لمح ثواراً ثائرين، نعم إنه يعرفهم حتى لو كان لا يعرفهم، إنهم الصحب الكرام ورفقة السبيل وإخوة الطريق.
– حُييتم من مجاهدين
– وعليك التحايا يا أخي..
– بأي أرض نحن، أو أي معركة هذه، اعذرني إنني غريب عن هذا المكان بقدر غربة الأموات عن الأحياء!..، اعذرني يا أخي لكن الشوق يحرقني، والأمل يسلبني الصبر والجلد!
– ضحك من تبدو عليه أمارات الجهاد وقال: هدئ من روعك وعد إلى رشدك! هذا زفاف صديقي ولا بد من مظاهر الفرح التي نصت عليها السنة النبوية أسروا الخطبة وأعلنوا النكاح! لن أدعك تمضي قبل وليمة الزفاف!

اتسعت عينا الشهيد وماتت الكلمات على شفتيه، وتساقطت الحروف من مقلتيه، لم يدري ماذا بعد يقال! مضى مع صاحب الدعوة مسيراً لا مخيراً.. ومن حديث إلى حديث، مر ذكر دستور جديد، وقف الشهيد وصاحَ، بالله عليكم أخبروني هل سقط الطاغوت حتى نبدأ بالدستور؟ هل حررنا الأرض ورفعنا الرايات؟ أم أنكم تتكلمون عن أمور أخريات؟

ضحك الحضور ضحكاً مؤلماً للشهيد ولكأنها طعنات تزيد من جراحه وتنكأ آلامه، وصدح أحد الأصوات بقوله: هل مسك شيء من جنون؟ نتكلم عن هذه الأرض وعن هذه البلاد، إنه دستور جديد وما زال الطاغوت وهناك الكثير من العبيد لكنها فترة انتقالية لا بد فيها من دستور ينصه بعض الأشخاص من مختلف الميول والأطراف.. رد الشهيد بكل ما أوتي من حق.. ما بالك يا أخي؟ متى كان في قضيتنا ميول وآراء، متى أصبحنا عُرضة لمخرجات مبعوث الأمم المتحدة يعين لجنة تحدد مصير الدماء، كيف يمكن لبلد محتل أن يُكتب له دستور، ومن يكتب الدستور؟ أنامل القاتلين، واجتماعات المترفين، وأحاديث الخائنين، وتمتمات المرجفين، يا لكم من مستسلمين!.. كيف تَقبلون العار؟ وتُقبِلون على الحياة باسمين؟ إنهم ينهون ثورتكم ويميتون ثأركم، ويعيشون على رفات حريتكم، اطلبوا الموت في سبيل الكرامة، عانقوا النصر بشوق الشهادة، لا تموتوا خانعين، لن تكونوا حينها من أبناء الشام البارين، إنكم الفئة التي عقت دماء الشهداء ونسيت أن أنصاف الثورات دمار لمبادئ الحريات، أكملوا ما بدأتم، المسير طويل ربما لن نصل للنهاية.. ولكن دعونا نكون على الدرب.. درب لا يقبل بانحراف الدساتير.. لا تذوِّبوا مبادئكم بمرحلة انتقالية تموت بها أرواحكم وتفنى آراؤكم وتعيدون فيها الضلال القديم.. لا تخدعنكم التصريحات الواهية والدساتير الواهنة، نحن من أشعل الثورة ونحن من يجعلها ثورات.

لا يطفئها ضامن أو ضامنون.. نحن أصحاب الحق والحق لا يموت.. انتهى الشهيد من كلماته ودموع روحه تراق على وجهه، وجد نفسه بين تمتمات الحاضرين وهمسات المشككين وثرثرات المخذلين.. وسمع أحد الأصوات الخافتة تقول: من هذا الغريب كيف أتى ومن أين جاء؟ هل هو من بعيد أم أنه غريبٌ غريب؟ طأطأ الشهيد برأسه مع نهاية هذا اليوم المليء، وعاد إلى قبره أزاح التراب وغاص تحته من جديد وأخذ يردد بصوت من حديد:
متى يفيق النائمون
شهداؤنا بين المقابر يهمسون
في الأرض ترتفع الأيادي
تنبت الأصوات في صمت السكون
تتساقط الأحجار يرتفع الغبار
تضيئ كالشمس العيون
شهداؤنا خرجوا من الأكفان
وانتفضوا صفوفا ثم راحوا يصرخون
عار عليكم أيها المستسلمون
وطن يباع وأمة تنساق قطعانا
وأنتم نائمون…

عرف الصديق البائس القديم ما حدث من دون أن يسأل رفيقه أو يتحرى ما جرى مع صديقه الآمل الشهيد.. وأخذا يرددان معاً: عار عليكم أيها المستسلمون.. وطن يباع وأمة تنساق قطعانا وأنتم نائمون…



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة