الخنوع والتقديس الفكري.. عبودية دنيئة

BLOGS تفكير

يعد الخنوع والتقديس الفكري من الأمور المرفوضة عقلا وشرعا، فالأساس في الإتباع الصائب لفكر ما هو قوة الحجة والدليل والأثر العلمي، فالخنوع لفكر معين يعتبر من أكبر المصانع التي تنتج لنا الجهل وتوزعه لما فيه من تعطيل للقدرات العقلية، ووضع هالة من القدسية حول أي فكر كيفما كان تجعل نقده عملية محظورة، فكل فكرة إلا ولها حقها من الاحترام والتقدير، غير أنها تتراوح بين الصواب والخطأ، لأن فكرنا البشري غير معصوم؛ الشيء الذي يعني أنه دائما محل نقد وتقويم.

 

والذي ينبغي معرفته أن الخنوع الفكري لا يحصل دائما لضعف الخانع، بل قد يكون اختيارا شخصيا من دون أي إكراه، فلربما يمارس فقط طمعا فيما سيجنى منه من ثمار وفيرة والتي لا تجلب إلا المستعبدين فكريا، في حين أنها تظل فاسدة بلا طعم ولا فائدة في نظر أصحاب الفكر الحر، إن هذا الخنوع المرتبط بالتفكير ما هو إلا نوع متخف من التخلف، فلا قيمة لتبني الأفكار الجاهزة التي تعطل بها ملكة التفكير المستقل والحر؛ سواء كان لقصور مرتبط بعوامل خارجية تأثيرها أحادي وموجه لا وجود لمسألة الاختيار الحر معها أو لرضا وقبول من الخانع الذي يرغب في ذلك بإرادته التامة لنيل ما يبتغيه من أطماع بخنوعه لفكر ما.

 

التبعية للآخر والخضوع له فكريا دون إمعان للإدراك العقلي هو استلاب للإرادة الفكرية بشكل خاص، مما يودي إلى اضمحلال أفق التفكير الحر والتصور السليم، فتذهب معه القدرة على الاستقلالية والموضوعية في صياغة الأفكار والآراء بحرية

إن الرق الفكري لا يكمن فقط في الخنوع للأفكار المغلوطة التي تجانب الصواب بل إنه يتجاوز ذلك؛ فأي تقديس للأفكار البشرية التي تخدر الوعي وتكون سببا في كبح الإبداع والتطور فهي عبودية فكرية دنيئة في حد ذاتها، لأنها مظهر من مظاهر الانحراف الإنساني ومؤشر كبير على فقدان قيمة الحرية، ودليل قوي على سيطرة الدوغمائية على التفكير الذي يستولي عليه الجمود والتعصب الفكري، والغريب أن أصحاب هذا التفكير النمطي الجاهز يرفضون حتى الاطلاع على ما يخالف الأفكار المقولبة التي تم شحنها في عقولهم.

 

والعبودية المقصودة والتي نتحدث عنها هنا هي التي يكون بها الإنسان مملوكا لغيره فكريا بمعنى أن حرية التفكير تسلب منه، فيصير رهينا لأفكار فاسدة في عمقها وإن بدت حسنة في ظاهرها، وقد يخضع لفكر غيره باختياره وكامل إرادته، وهذه العبودية بالذات تسقط فيها حتى تلك الفئة التي تصف نفسها بالنخبة؛ خصوصا عباد الدرهم والمصلحة الشخصية الذين يتخلون عن مبادئ الفكر الصائب المناصر للحق، ويتمسكون بالأفكار الباطلة ليتملقوا لساداتهم ويتزلفوا إليهم، وفي الحقيقة ما هم سوى عبيد لشهواتهم الدنيئة وغرائزهم الحيوانية الخسيسة التي تقتل حرية العقل والإرادة السوية.

 

إن التبعية للآخر والخضوع له فكريا دون إمعان للإدراك العقلي هو استلاب للإرادة الفكرية بشكل خاص، مما يودي إلى اضمحلال أفق التفكير الحر والتصور السليم، فتذهب معه القدرة على الاستقلالية والموضوعية في صياغة الأفكار والآراء بحرية، فالذي لا يستطيع استعمال عقله بكامل حريته ليعطي رأيا شخصيا خاصا به سواء فيما يتعلق بما يعيشه أو يدور حوله من أحداث هو محكوم فكريا وإن بطريقة غير مباشرة، لهذا يصبح قبول الأفكار المغايرة لذلك النمط الفكري المتبع أمر شبه مستحيل نتيجة لما يحصل من انغلاق عقلي تام.

 

ولا أغالي أبدا إذا ما قلت إنه لا خنوع ولا تقديس لأي فكر كيفما كان لولا قلة الوعي وتسلط الجهل الذي أنتج لنا ثقافة التبعية والعبودية الفكرية، والتي ما هي إلا مظهر من مظاهر العقلية الفاسدة التي أوصلت الإنسان إلى أن يفكر وفق قالب تفكيري محدد، دون أية إمكانية تسمح له بالتمتع بعقل حر لكي يخرج لنا أفكارا تخصه كشخص مستقل بفكره لا كنسخة طبق الأصل لفكر غيره الذي يقيد ذهنه به.

 

إن طائفة المتسلطين الذين أفرزوا لنا هذا النوع من الخنوع والتقديس وزادوا من حجم انتشاره في مجتمعاتنا لا يرون إلا التفاهة كوسيلة للاستلاء على العقول التي لها مناعة وعي ضعيفة أو الفاقدة لها في الأصل، لهذا فهي تحاول على الدوام إلهاء الأتباع في سفاسف الأمور، نظرا لمكانتهم السلطوية التي خولت لهم بسهولة التلاعب بعقول القطيع، فظهور الانحرافات الفكرية والأفكار التافهة وكثرة الإشاعات المغرضة، إنما هو نتاج لعلاقة عكسية بين مقدار الوعي وحجم الفساد وتردي القيم الخلقية في مجتمعاتنا.

 

إنه لأمر مخزٍ وجود أناس كثيرين في عالمنا المتطور ممن يعتقدون بأن التفكير الحر هو تمرد محظور وإباحية مطلقة، لأنه تجاوز خطير للحدود التي وضعت في عقولهم غصبا عنهم، وفي نظرهم القاصر أنه لابد للتفكير من لجام رادع لكي تستقيم أفكارنا وتناسب نموذجهم الفكري المتبع، لهذا فهُم يرون الأفكار الحرة مغلوطة ومرفوضة لأنها توجد خارج النظام الفكري الذي تدور فيه الأفكار الجاهزة التي يتبنونها.

 

ودعوتي إلى الحرية الفكرية لا يقصد بها تجاوز معتقدات الإنسان السامية، فالدين على سبيل المثال باعتباره قانونا إلهيا ومنهجا حياتيا يهتدي به المرء للطريق المستقيم لا يقمع التفكير الحر بقدر ما يرشده إلى الصواب، لهذا فكل واحد مسؤول عن قناعاته وما يجسده من تصرفات وأفعال يترجمها تفكيره، فأن تكون حرا في تفكيرك يعني أن تعتقد بلا إرهاب لعقلك، أو عقاب يجبرك على تبني أفكار في العلن لا تقتنع بها في سريرتك، وأن لا يكون تفكيرك الذهني متناقضا مع واقعك الذي ترسمه أنت بسلوكياتك.

 

إن الذي يسلم عقله لغيره لكي يصير مفكرا عنه بالنيابة سيظل عبدا غير حر فكريا، لأنه يتبع وينفذ دون وعي ويردد ما يلقن بلا فهم ونقد، فلا مبرر لذلك، وإن مر الفرد بأوقات عصيبة وأحاطت به ظروف قاهرة لا تكفي لكي تكون عذرا لتسليم عقله لغيره سواء بسطوة الترهيب الفكري أو بغلبة سياسة القطيع والخوف من الاتهام بالشذوذ الفكري، فالذي يكبح تفكيره طواعية أو عجزا منه على التفكير الحر هو مفرط في أعظم النعم التي وهبها الله للإنسان وميزه بها عن غيره من المخلوقات، وهذا كله ما يجعله رهينا للخنوع والتقديس الفكري.

 

إن لم تحرر عقلك من الخنوع لفكر الآخرين وتقديس أفكارهم، فلا أحد يستطيع أن يفعل ذلك سوى أنت، لهذا فالأمر يحتاج إلى قدر كبير من شجاعتك العقلية، فالتمرد الفكري عن هذه العبودية الدنيئة صعب ولا يمكن أن يقوم به من يفتقد لتلك الشجاعة، ولكي تصير حياتك مليئة بالتميز والإبداع لابد من تحطيم قيود الخنوع وتكسير أغلال التقديس، لتنطلق بعيدا عن الزنزانة التي أعتقل فيها عقلك وصار مسجونا، عليك أن تكون أنت بلا خلفيات وتصورات خارجية تحكم فكرك، لا كما يريد الآخرون أن تكون، فلن يموت تفكيرك ولن تهلك إن فكرت خارج القطيع أو حلقت خارج السرب.