كيف يفسّر مالك بن نبي الحراك الشعبي بالجزائر؟

blogs الجزائر

"فإذا نحن نرى أنفسنا في ضوء ما كتب قديما، كأننا لم نتقدم خطوة في فهم البلاء الذي ينزل بنا ولا يزال ينزل" (1)
-محمود محمد شاكر

بعد أن توهم الجميع أن الجماهير الجزائرية قد طلقت السياسة ثلاثا، وأن الشباب قد انتحر سياسيا واعتزل لاعبا وحتى مراقبا، جاءت آخر جمعة من الشهر المنصرم تليها أولاها من الشهر الحالي بخبر يقين فند كل ما سبق وبدد الأوهام جميعها، لدرجة أفل فيها نجم النخبة السياسية أمام شمس الحراك الشعبي الذي انطلق من رفض ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة المنتهية ولايته لعهدة خامسة ووصل بسقف مطالبه إلى القطيعة التامة مع رموز النظام القائم، والإصلاح العميق على مستوى مؤسسات الدولة كافة.

 

إن المتأمل لإرهاصات هذا الحراك لابد أن يلاحظ غلبته اليوم على مضمون النقاش والجدال الشعبي أو النخبوي في الجزائر -في العالمين الواقعي أو الافتراضي- حيث برزت إلى السطح كثير من المواضيع والتساؤلات حول التغيير والنهضة الحضارية التي سبق معالجتها في أدبيات السياسة والاجتماع لأن التاريخ يعيد نفسه. ولعل واحدا من أكبر منظري النهضة الحضارية عامة والإسلامية خاصة المفكر الجزائري مالك بن نبي (رحمه الله) الذي جمع فكره بين ضياء الإسلام وقسطاسه ونور العقل وميزانه، وخلّف إرثا أدبيا حافلا بالإبداع يجيب فيه على كثير من تساؤلات حراك الشارع الجزائري اليوم، والتي منها:

هل التغيير ممكن حقا؟
الحراك الشعبي -الحذِر- في الجزائر يتحاشى بكل الطرق ربطه بمفهوم الثورة من أجل تفادي أي تصعيد خطير، ولكن في السياق الحذر من انقلاب غاية الحراك إلى ضدها

لعل الإجابة على هذا السؤال من طرف الجماهير الجزائرية تجسدت في مسيرات الجمعة الأولى -22 فبراير- عندما كسر حاجز الخوف، لكن التحفظ والتشكيك كانا دوما حاضرين بوضوح بشكل صريح أو ضمني، وإن كان التشكيك أقل حضورا في جمعة الفاتح من مارس بدليل اتساع رقعة الحراك مما دل على انهيار فكرة "التغيير مستحيل" وفي هذا الصدد يقول مالك بن نبي: "إن أول الأبواب إلى الحضارة أن نواجه المشكلات مستبشرين لا متشائمين، فإذا ما واجهنا الأمور متشائمين فقد أصبحت في حكم استحالة، ومن العبث أن نفكر بأننا نستطيع التغلب على المستحيل. وهذا ذهان مر بنا نحن، فقد أصبحنا نقول مسبقًا إذا ما سئلنا لماذا لا تفعلون هذا الأمر؟ إنه مستحيل. ويقابل هذا في الخطورة نفسية التساهل، إذا ما نظرنا إلى الأشياء على أنها أمر تافه لا قيمة له" (2).

ولعل نفسية التساهل يمكن التماسها في الصدمة التي خيمت على الشارع الجزائري بعد إعلان ترشيح بوتفليقة، وكأن المصدومين كانوا يتوقعون أن خروجهم في مسيرة أو اثنتين كان كافيا للعدول عن الخامسة أو حتى تخلي النظام عن السلطة.

أما نفسية المستحيل فتبدو أكثر حضورا في النقاشات اليومية حيث يلاحظ المتابع للشارع الجزائري تكرر عبارات على شاكلة، هل تعتقدون أنه يمكن تغيير نظام أحكم قبضته على البلاد منذ الاستقلال؟ نظام يملك الجيش والمخابرات في يد، ويجمع اقتصاد البلاد كاملا في الأخرى؟ نظام تمسك بالسلطة حتى عندما خسر الانتخابات يوما؟ وسلطة تفصل الدستور على مقاسها ولا تبالي.. وعلى الفريقين يرد بن نبي: "فينبغي علينا أن نتخلص من نفسية المستحيل ونفسية التساهل، فليس هناك شيء سهل وليس هناك شيء مستحيل" (3).

هل يجب أن نطالب بحقوقنا؟

رغم أن حراك الشارع الجزائري رفع شعارات طغى عليها الطابع السياسي، إلا أن الكثيرين كانوا يبررون بأنه وسيلة لنيل الحقوق، فشاهدنا الصحفي يشتكي التضييق، والسياسي يحتج على التزوير والإقصاء، والطالب يتذمر من المستقبل المجهول، والبطال يبكي فقره وعوزه، ورجل الإعمال يندب البيروقراطية وغياب الشفافية… والكل باختصار مجمع على أن حقوقه مهضومة.

لكن التحذير من مغبة نفسية المطالبة بالحقوق واحدة من أكثر النقاط تكرارا في محاضرات مالك بن نبي ومن أقواله: "فعندما يرتفع الصخب في السوق، وتكثر حركات اليد واللسان، وعندما لا يسمع الشعب غير الحديث عن (الحقوق) دون أن يذكر بواجباته، وعندما يشرع بالطرق السهلة الناعمة، فتلك هي (البلوتيك)"(4)، والمقصود بالبلوتيك الدجل السياسي. "فالحق ليس هدية تعطى، ولا غنيمة تغتصب، وإنما هو نتيجة حتمية للقيام بالواجب" (5).

"فالمجتمع الذي يرتفع وينمو فإن ذلك يعني أن لديه رصيدا من الواجب فائضا على الحقوق" (6) إن بن نبي عندما حذر من نفسية المطالبة بالحقوق علل ذلك بأن الأخيرة نتيجة حتمية للقيام بالواجب وعليه فعلى الصحفي أن يخشى ألا تصل الحقيقة للمتابع، والسياسي أن يحرص على امتلاك برنامج حقيقي وبناء، والطالب أن يسعى إلى تفعيل دوره التعليمي والثقافي وحتى السياسي، وعلى البطال أن يريد لعب دوره في البناء، وعلى رجل الإعمال أن يهدف للمساهمة في الاقتصاد وخلق الفرص… وهكذا كل يهمه واجباته فتطرق بابه حقوقه.

كيف يُحصَّن الحراك من الاختراق وركوب موجته؟

إن الحراك الشعبي -الحذِر- في الجزائر يتحاشى بكل الطرق ربطه بمفهوم الثورة من أجل تفادي أي تصعيد خطير، ولكن في السياق الحذر من انقلاب غاية الحراك إلى ضدها قد يكون من الحكمة الإشارة إلى قول بن نبي محذرا من الثورة المضادة: "فالثورة قد تتغير إلى (لا ثورة) بل قد تصبح (ضد الثورة) بطريقة واضحة خفية. والأمر.. أن مجتمعا بمقتضى طبيعته البشرية ينطوي على خمائر من روح (ما ضد الثورة) طبقًا لمبدأ التناقض.. نتبع آثاره في تاريخ كل الثورات، تتبعًا لا يفي معه أن ندفع عجلة الثورة في وطن ما، بل يجب أن نتتبع حركتها ورقابتها بعد ذلك" (7).

بعد أن أشار بن نبي إلى ضرورة الرقابة الدائمة ضرب مثالا لتبسيط ما سبق فقال: "وفي الملاحة يعرف ربان السفينة هذه الحقيقة بطريقته، إذ يعرف أنه لا يكفيه أن يقلع بسفينته في اتجاه معين، بل يجب عليه أن يراقب السير على طول الطريق من أجل تعديل الاتجاه من حين إلى آخر" (8).

ولعل المثال الأخير قابل للتوظيف للرد على من يتوهمون أن حراكا كحراك الجزائريين السلمي عليه ألا ينطلق حتى يضمن بشكل كامل نتائج إيجابية وعدم انزلاقه إلى المحظور، وهذا يبدو من العبث ومحاولة الاطلاع على الغيب أو إحكام القبضة على الأقدار. والرد هو أن السفينة تنطلق وتشق طريقها فإن قابلها عارض فدفتها بين يدي ربانها يعرف وجهتها.

كلمة أخيرة

لعل هذه الأسئلة -في تصوري- من أعمّ وأهمّ الأسئلة المتعلقة بالحراك الشعبي تلت كل واحد منها محاولة إيجاد إجابة في المخزون الأدبي لبن نبي، لكن الدافع إلى تحرير هذه السطور حقيقة ليس إيجاد إجابات ولكن دعوة -أو بالأحرى أمنية- أن ننفض الغبار عن مكنوز تراثنا الأدبي الثري بالأفكار البناءة والسعي إلى مواصلة البناء انطلاقا منه وعدم بذل الجهد في إعادة اختراع العجلة. فإذا كان المستبدون قد أحكموا سيطرتهم على مكنوز الأرض من ثروات وخيرات من مقدرات الشعوب، فإنه لا سبيل لهم إلى أسر العقول وتقييد الأفكار وتكبيل النفوس التي تترقى وتتزكى بالاطلاع والاعتبار لتحقيق النهضة والتغيير. ولنسأل تاريخ الجزائر هل أغنى الاستعمارَ دباباتُه وطائراتهُ في مواجهة حلقات ابن باديس وكاتبات البشير الإبراهيمي وغريهما عندما راحوا يبنون جيلا من الشباب الثائر فجَّر ثورة فكت القيود وحطمت الأغلال.
————————————————————————————————————————-
المراجع
1 – "في مهب المعركة" لمالك بن نبي
2 – "تأملات" لمالك بن نبي
3 – نفس المصدر
4 – "بين الرشاد والتيه" لمالك بن نبي
5 – "شروط النهضة" لمالك بن نبي
6- "تأملات" لمالك بن نبي
7 – "بين الرشاد والتيه" لمالك بن نبي
8 – نفس المصدر



حول هذه القصة

بعد التّضحيات الجسيمة التي قدّمها الشعب الجزائري بسبيل نيل حريّته، اتّجهت تطلّعات أبنائه لتشييد وطن يضمن لهم الحرّية والرّفاهية والعيش الكريم، فاصطدمت بجدار صادَر حقّ الأمّة الجزائرية باختيار من يمثّلها.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة