حواء السودانية.. من أول برلمانية عربية لقيادة الثورة

تزامنا مع اليوم العالمي للمرأة حققت فيه المرأة الكثير من الإنجازات الملحوظة ولكنها تبقى بداية لطريق طويل وشاق يحتاج للكثير من العمل والمثابرة ولكن في حالة يمكن وصفها بالمختلفة عن السياق العربي والإقليمي وحتى الإفريقي لطالما لعبت حواء السودانية دورا أساسيا ومحورياً في تكوين التاريخ السوداني القديم والحديث منذ بداية العصر القديم للممالك النوبية إلى الحراك السياسي الحالي وهي رحلة تستحق تسليط بعض من الضوء عليها في مناسبة كهذه.

    

الكنداكة ملكة الممالك النوبية

كلمة كنداكة أو قنداقة هو وصف كان يطلق على الملكات في الممالك الواقعة في تلك المنطقة تواليا هي ترجمة لكلمة ملكة أو حاكم وعلى خلاف الحضارات السائدة في ذلك الوقت من الزمن بداية من المملكة الرومانية إلى ممالك ما بين النهرين وصولا حتى إلى جارتها الشمالية الفرعونية لعبت الملكات دورا كبيرا في تسيير الحكم للممالك المتعاقبة بداية من مملكة كرمة التي ترجع اثارها لما يقدر بأكثر من 3000 سنة قبل الميلاد وصولا إلى مملكتي كوش ونبتة حيث لعبن دورا مباشرا في تكوين القرار حيث أطلق اللقب على ما يقارب 49 ملكة لكن عددا منهن قام بما هو غير مألوف حينها بتقلدها الحكم منفردة ويقدر عددهن ب11 كنداكة تعتبر أشهرهن الكنداكة المعروفة بأماني ريناس وهي التي يشار إليها غالبا باللقب لشهرتها بذلك المسمى رغم عدم كونها الكنداكة الوحيدة

 

أماني ريناس قاهرة الإمبراطورية الرومانية

أماني ريناس أو أمانجي هي اشهر الملكات التي تقلدت مقاليد حكم مملكة كوش وإن لم تكن الأولى ولكن شهرتها نبعت من تحديات عهدها حيث حكمت لفترة ما يقارب الثلاثة عقود قبل الميلاد في فترة سقطت فيها الجارة الشمالية في يد الحكم الروماني بعد هزيمة جيوش ماركوس أنطونيوس وكليوباترا على يد القوات الرومانية في معركة أكتيوم وتبسط سيطرتها الكاملة على مصر بعدها نصر زاد من أطماع الإمبراطورية الرومانية في التقدم جنوبا لتباغتها أماني ريناس بهجوم لصدها من التقدم جنوبا لتنجح في دحر القوات الرومانية وتكيلها هزيمة أجبرتها على الانسحاب لما بعد أسوان التي كانت خاضعة للملكة الكوشية وحطمت الكثير من اثارهم لتظفر برأس لأحد التماثيل للإمبراطور الروماني أغسطوس وضعته مطيا لها في قداسية النصر ومازال موجودا في المتحف القومي بالخرطوم.

 

تعتبر فاطمة أحمد إبراهيم أحد المدافعات الشرسات عن حقوق المرأة حيث قادت مدرستها الثانوية لإضراب احتجاجا على تبديل المواد العلمية بالمواد المنزلية لينجح إضرابها الأول ثم انخرطت في السلك السياسي حيث انضمت في العام 1952 للاتحاد النسائي السوداني

أمر أغضب الإمبراطورية الرومانية لتحرك حملة جديدة لتلاقيه الملكة الكوشية مجددا في حرب استمرت لما يقارب الثلاثة أعوام لم تستطع فيها القوات الرومانية من التغلغل عميقا في المملكة رغم عتادها لتنتهي الحرب بتوقيع معاهدة سلام تقضي بانسحاب القوات الرومانية كاملة خارج الحدود الكوشية أي ما بعد أسوان الحالية مع توقيع للحدود بين المملكتين وعدم فرض أي نوع من الوصايا أو الجزية لتدوم المعاهدة لمدة ثلاثة قرون حتى بعد وفاتها

  

مهيرة بنت عبود والاحتلال التركي

تغيرت معاير المشاركة في الحراك السياسي والنسوي تمثلت بدخول الإسلام لمنطقة شمال السودان الحالية والطابع القبلي الذي سيطر على مرحلة ما قبل الدخول التركي الذي جاء بإيعاز من محمد على باشا بقيادة ابنه إسماعيل ليتحول إلى دور اخر نتيجة للطابع القبلي الذي كان يسكن تجمعات تلك الرقعة لتلعب دورا في تحريك رحى الثورة والمقاومة ضد الوجود التركي حيث كانت ترافق الحملات وتشد إزرها بأشعار الحماسة وأناشيدها.

 

ولعل أشهر نساء تلك الفترة هي مهيرة بنت عبود فبعد الدخول التركي للسودان رغبة في اكتشاف منابع النيل والاستفادة من خيرات المنطقة بحملة ضخمة من العدة والعتاد انسحبت إثرها القبائل الشمالية قبل أن تحدث أولى تلك المعارك بين القوات التركية وقبيلة الشايقية التي وجدت نفسها في خيار صعب بين معركة غير متكافئة وانسحاب للقبائل الأخرى وبين شروط بتسيلم لكامل الأسلحة والعدة واستعمالهم كفلاحين ومزارعين لتقود الحراك رافضة تلك الشروط المهينة ومن خلفها القبيلة لتحدث أول معركة حينها وهي معركة كورتي التي انتهت بمجزرة غير متكافئة بين أسلحة نارية وبين أسلحة بيضاء ولكنها كانت شرارة وبداية للمقاومة التي انتهت بخروج الحكم التركي وهزيمته على يد الثورة المهدية والجدير بالذكر أن مهيرة بنت عبود هي جدة الرئيس السوداني الراحل إبراهيم عبود

 

أول برلمانية عربية

"جمالك ليس بوجهك ولا في شعرك جمالك هو ما يحتويه رأسك من معرفة" كانت تلك الكلمات هي ما تردده والدة الدبلوماسية والبرلمانية السودانية فاطمة أحمد إبراهيم المولودة عام 1932 في فترة الاستعمار البريطاني للسودان وبرغم سياساته فقد تلقت والدتها تعليما جيدا فكان والداها يناقشان الأمور السياسية وأحوال البلاد في المنزل لتنشأ بذلك النوع من الحديث.

 

درست فاطمة كل مراحلها حتى الثانوية ثم تزوجت النقابي الشفيع أحمد أحد اعضاء الحزب الشيوعي الذي انضمت له نفسها لاحقا والذي سجن مرارا وتكرارا في العهد البريطاني أولا وعهد الفريق عبود المذكور انفا قبل أن يعدم في عهد الرئيس جعفر نميري في محاولة انقلابية قام بها أفراد وضباط من الحزب الشيوعي على رأسهم السياسي والعسكري هاشم العطا لتصبح من أول النساء السودانيات التي يحكمن بالسجن سياسيا لمدة عامين كاملين

 

استخدمت الفتيات المحركات للثورة وسائل التواصل الاجتماعي كمنبر لرصد تحركات وتفلتات القوات الرسمية المخالفة والتي تعتدي بالضرب والرصاص الحي على المتظاهرين السلميين

تعتبر فاطمة أحمد إبراهيم أحد المدافعات الشرسات عن حقوق المرأة حيث قادت مدرستها الثانوية لإضراب احتجاجا على تبديل المواد العلمية بالمواد المنزلية لينجح إضرابها الأول ثم انخرطت في السلك السياسي حيث انضمت في العام 1952 للاتحاد النسائي السوداني وأسست صحيفة صوت المرأة لتنجح جهودها وزميلاتها في العام 1954 من تمكين المرأة السودانية لا من التصويت في الانتخابات فقط بل في الترشح للرئاسة أيضا وأضيف ذلك في الدستور المعد لاستقلال السودان في العام 1956، ليستمر كفاحها لحقوق المرأة ويتوج بدخولها البرلمان السوداني عام 1965 وتصبح بذلك أول امرأة في العالم العربي وإفريقيا والشرق الأوسط تفوز في انتخابات برلمانية حرة

 

وبعد إعدام زوجها عام 1971 وسجنها لمدة عامين ونصف سافرت إلى بريطانيا عام 1990 لتواصل كفاحها ليتم سنة 1991 اختيارها رئيسة للاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي، لتكون بذلك أول امرأة عربية وإفريقية مسلمة يتم اختيارها في هذا المنصب، لتنال جائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان لجهودها في مناصرة قضايا المرأة واستغلال الأطفال وتمنح الدكتوراة الفخرية من جامعة كاليفورنيا عام 1996 وجائزة ابن رشد للفكر الحر عام 2006 قبل أن يغيبها المرض في العام 2017

 

الثورة السودانية ومولد كنداكة جديدة

اشتعلت المظاهرات في السودان في أواخر العام 2018 لتستمر حتى الاّن لما يقارب الثلاثة أشهر لعبت فيها حواء السودانية دورا واضحا لتتلقى الإشادة وتلفت الأنظار في كثير من وسائل الإعلام العالمية والعربية فبدلا من بث الحماس تقدمت حواء الصفوف لتكون المظاهرات المجدولة التي ينظمها تجمع المهنيين السودانيين المنسق للحراك الثوري الحالي في أوقات محددة فدائما ما تنطلق بزغاريد النساء لتعلن بداية الموكب

 

حواء جهاز استخبارات الثورة

استخدمت الفتيات المحركات للثورة وسائل التواصل الاجتماعي كمنبر لرصد تحركات وتفلتات القوات الرسمية المخالفة والتي تعتدي بالضرب والرصاص الحي على المتظاهرين السلميين ليقمن بكشف أسمائهم ومساكنهم مما سبب عزلة اجتماعية لأفراده وعزلة دولية للنظام الحاكم بعد تداول المقاطع العنيفة لقوات النظام في حق المتظاهرين العزل في موقف أدخل النظام وقواته الأمنية في حرج شديد داخليا وخارجيا مما جعلها مستهدفة دائمة سياسة انتهجتها القوات الأمنية فزادت من وتيرة العنف تجاه النساء خاصة في محاولة لتخويفهن ولعل أبرز ما يوضح تلك الرسالة هو ما قاله رئيس المخابرات والأمن الوطني السوداني صلاح عبد الله قوش حيث صرح بعد أحد التظاهرات التي اصيب فيها متظاهرون بالرصاص الحي أن الفاعل فتاة قد أخرجت بندقية للصيد من حقيبتها مستهدفة لشاب متظاهر مما أثار سخرية واسعة مع عدم تقديم الفاعلة للمحاكمة حتى الأن كما توعد

  

عنف ضد المرأة في يومها

عنف ظهر جليا لاستهداف المتظاهرات بالضرب والسجن وصل للاستهداف المباشر للوجه بعبوات الغاز المسيل للدموع مما أدى لإصابة شابة وفقدها لبصرها في أحد المظاهرات لترد حواء على كل هذا التصعيد بالمزيد من الإصرار فيهتفن في أحد السجون بنداءات ثورية رغم تهديدات القوات الأمنية حينا وبين احتضان الأمهات للمتظاهرين داخل الأحياء في بيوتهن وتقديم الحماية لهم وصولا لموقف أصرت فيه أحدى المتظاهرات بعقد قرانها داخل المشفى من خطيبها الذي فقد عينه في أحد التظاهرات مواقف صدرت حواء السودانية لقيادتها لحراك مستمر كانت هي العلامة الفارقة فيه حتى بعد إدانة بعضهن صبيحة اليوم العالمي للمرأة من قبل القضاء السوداني بالسجن والجلد 20 جلدة لمخالفة قانون الطوارئ المفروض بالبلاد ليكون ردهن الواضح والصريح زغاريدهن معلنة بداية موكبٍ ثوري جديد.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة