شعار قسم مدونات

لمَّا بَدا لي أنَّ الوطنَ يتلاشى..

blogs - sunset

كانَتْ في لحظاتِها الأخيرة، تحاولُ أن ترحلَ حاملةً معها صورةً جميلة عن الحياة.. كأنْ تحاول الاستمتاعَ بِمَنْظرِ الغروب مِنْ نافذتِها، أو أن تستمتعَ بموسيقى روسيني الذي تشعر بقوّةٍ تُضَخُّ في موسيقاه.. كانتْ تحاولُ أن تستلذَّ دفء الفراشِ الذي تنامُ فوقَه، أو أن تتلذّذ بطعمِ الهدوءِ الذي يعمُّ أرجاءَ بيتِها. لكنَّ شيئًا فشيئًا، بَدَتْ تستشعرُ ثقلّ الحياةِ، وبدأتْ تشعرُ بغربةٍ موحشة. تشعرُ بنوعٍ مِنَ الانفصالِ عَنْ أحداثِ الكونِ، كأنّها ترى الوقائعَ التي تحدثُ في كلِّ بقعةٍ من بقاعِ الأرض من خلف شاشة التلفاز.

بدَتْ تستشعرُ ثقلَ الحياةِ، وتشعر كأنّها بانفصالها عن أحداث الكون؛ تمتصُّ همومَ الدنيا، وتضعها على كاهلِها، فتحسُّ بثقلِ جسدِها، وَروحها. شعرَتْ كَمْ أن البشرَ مضجرون، وملأوا الحياةَ ضجرًا بوجودِهم. شعرتْ كم أن الحياة قد تكون أحيانًا بلا جدوى، وشعرَتْ بعدمِ أهميّةِ الأشياءِ والأشخاص، وكانت كلّ نسمةِ هواءٍ تهِبُّ على وِجنتيها من نافذتها، تحملُ في طيّاتِها ألمَ الحياةِ وحزنها. وبدا لوهلةٍ، كأنَّ البشرَ ليسوا بِبشرٍ، فقد اكتشفَتْ أن المرّة الأخيرة التي لربَّما تلَفَّظَ بها كائنٌ بشريٌّ شيئًا جميلًا، كانت على الأغلبِ قبل أكثر من أربعينَ عامًا، عندما كان أجدادُنا أطفالًا، فَوَداعًا أيّها العالم! إنَّ الحياةَ بذاتِها فيروسٍ قاتل، وقد تمكّنَ هذا الفيروس منها، حتّى أخذَتْ شهيقًا وزفيرًا أخيريْن..

حَمِّلوني ثِقَلَ الحروبِ، حَمِّلوني ثمنَ كذبِ العالم. أريدُ ذلك! فَلْيَمُتْ قلبٌ واحدٌ بَدَلَ مليارِ قلب، فليتأوه قلبٌ واحدٌ بَدَلَ مِليارِ قلب

كانتْ تودّعُ العالمَ، وفي قلبِها المكسورِ آهاتٍ كثيرات: لَيْتَ أنّي أستطيعُ أن أحملَ آهات الأوطانِ فوقَ صدري. حينها سيكونُ الدمار والتشتت والضياع والحروب؛ تَغشى قلبي أنا وحده. أمّا أوطاننا، سَيَعمُّها السّلامُ والهدوء، ستعلوها أخيرًا سماءٌ صافية تسطعُ فيها الشمسُ نهارًا. أمّا ليلًا؛ ستكونُ مليئةً بالنجومِ التي تقطعُ سوادَ الليلِ الحالك. أخيرًا لنْ تسمعَ أوطاننا سِوى صوت الهدوءِ التامِّ الذي يخلو من كلِّ شيء إلا مِنْ تغريدةِ العصافير، وصوت خُطى الأقدامِ الواثقة المُهرولة المُتّجهة نَحْوَ عملها، وصوتُ النقاشات بينَ نساءِ الحيّ؛ لكنّ هذه المرّة نقاشات عن أمور حياتهنَّ اليوميّة، وهنّ يرتشفنَ القهوةَ دونَ خوْفٍ. أخيرًا، البحارُ سوفَ تكونُ هادئة، والنّاس على أرضِ الأوطانِ، سليمونَ معافونَ من كلّ كَلم.

حَمِّلوني ثِقَلَ الحروبِ، حَمِّلوني ثمنَ كذبِ العالم. أريدُ ذلك! فَلْيَمُتْ قلبٌ واحدٌ بَدَلَ مليارِ قلب، فليتأوه قلبٌ واحدٌ بَدَلَ مِليارِ قلب، فَيَعُمَّ الحزنُ، والضياعُ، والتشتت في قلبٍ واحدٍ بَدَلَ مليار قلب. وَلْيَكُنْ هذا القلبُ الواحدُ؛ هو قلبي أنا. وَلْيعشِ المليار قلب. اجمعوا آهاتِ الأوطانِ في قلبي، ولأعطي السلامُ الذي في قلبي للأوطان! لا ترْحلوا.. فالأراضي أوطانُ، ازرعوها تُفّاحًا وبرتقالًا وليمونًا. حتى إذا مَتّم عاش مَنْ بعدَكُم على طيبِ صُنْعِكم وأثركمْ. كَمْ خسِرْنا حتى اليومَ؟ قليلٌ، أم كثير؟ لو وضعتُ نفسي تحتَ ضغط الإجابة، لوجدْتُ أنفسَنا قد خسرَت الكثيرَ الكثيرَ. مع كلِّ حلمٍ نخسر، مع كلِّ خطوةٍ للأمامِ نخسر، مع كلِّ حديثٍ نخسر، مع كلِّ فشلٍ ومع كلِّ نجاحٍ؛ نخسر.

مع كلّ صباحٍ نخسر، مع كلِّ يومٍ، وكلِّ شهرٍ، وكلِّ عامٍ.. نخسر. ماذا نخسر؟ شخصًا عزيزًا؟ أمنيةً؟ كلمةً طيّبةً؟ سعادةً؟  ماذا نخسر؟ نخسرُ العالمَ؟ نخسرُ أنفسَنا؟ فَلْنخسَرْ إذًا! وداعًا أيّها العالم. إليكم أيّها المتعبون، أيّها المنهكون، الّذين كانَ نصيبهم من هذه الحياةِ: نيّفٌ من الحزن، ونيّفٌ من الألم، ونيّفٌ من الفّقْدِ والخسارة، ونيّفٌ من الرتابةِ والملل، الّذين سَيُكَفَّنون تحتَ الترابِ، وستكفّنُ معهم الأسئلةُ والأجوبةُ. إنّها آليةٌ أكثر تعقيدًا من أن تكونَ كآليةِ القفل والمِفتاح، لأنَّ حامِل السؤالِ على بوّابة الوطنِ ينتظر وبينَ كفّتيهِ المِفتاح، وحامِلَ الجوابِ قَدْ سرقَ المِفتاح ضاربًا بعرض الحائطِ معاييرَ السلامِ وموازينَ الزّمانِ. واختفى كما تختفي الشمس عندَ المغربِ، أو كما يختفي القمرُ عندَ الفجر!

فأين السؤالُ، وأين منهُ الجوابُ؟ هو سؤالٌ واحد يتجوّل ضواحي هذا العقل، كتبَ الله له غموضَ الجواب.. لكن لا نحنُ يهمُّنا جوابَ السؤالِ، ولا يهمُّنا سرَّ شعورِ الفؤادِ.. لكنّه قلبٌ خالٍ قدْ وُلِدَ في هذا الوطنْ، فكان مجبولًا على حبّه، وما يأتي على قلبٍ خاليًا؛ لا بُدَّ لَهُ أن يَتمكَّنا.. ماتَتْ.. لكنَّ الغروبَ الذي كانتْ تشاهدهُ لمْ ينتهِ بعْد. وموسيقى روسيني الذي كانت تستمع له؛ لم تنتهِ بعْد، ولا زالَ الهواء يهبُّ مِنَ النافذة، والهدوء لا زالَ يعمّ أرجاءَ البيتِ، ولا تزالُ عجلةُ أحداثِ الكونِ تدورُ. ماتتْ، ولا تزالُ الهمومُ تسقطُ على الأرضِ، وتهبّ مِنَ النوافذِ، وتخرجُ من موسيقى روسيني. ماتت.. لكنّ وباء الهمومِ لم يمُتْ بعْد..

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.