قراءة النص القرآني بين الشمولية والتجزيئ

blogs - Quran

النص القرآني نص منسجم متكامل ومتناغم، يُكمّل بعضه البعض الآخر، مصداقا لقوله تعالى: "كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِير"، وقوله تعالى: "َفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا" وهناك اتفاقًا بين أهل العلم على وحدة النص الشرعي وانسجامه، قال الإمام الشاطبي: "الجميع على أن الشريعة الإسلامية لا اختلاف فيها ولا تناقض".

وبناءً على ما سبق لا يمكن فهم النصوص القرآنية فهماً سليماً إلا بعد فهمها في كليتهما، بعد التتبع والاستقراء لمواطنها في القرآن الكريم، وحمل بعضها على بعض، وتكميل بعضها لبعض، لأن نصوص الوحي عبارة عن لبنات متراصة منسجمة كالعقد المنظوم. إذا فقدت منه حلقة واحدة، انفرط العقد وانهار البناء وتشوهت الصورة. وهذا ما أعطانا بناءً متكاملاً، وقد عبر عنه كثير من الباحثين ب: بنائية القرآن الكريم، فالقرآن المدني وأحكامه مبنية على ما نزل مكة، والأحكام العملية مبنية على المبادئ الاعتقادية، وقد أمضى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر سنة وهو يدعو إلى الإيمان بالله وباليوم الآخر، حتى إذا ترسخ الإيمان والعقيدة في نفوس الصحابة انتقل إلى الأحكام العملية من أوامر ونواهي.

وهذه الخاصية التي تميزت بها نصوص القرآن الكريم، جعلتها وحدة منسجمة غير قابلة للتجزيئ، وفرضت على القارئ الالتزام بالقراءة الكلية للنصوص الشرعية. فإذا أراد القارئ أن يفهم آية قرآنية، لا يفهما بمعزل عن الآيات التي سبقتها أو لحقتها في النزول أو الترتيب، وإنما يجمع بين الآيات السابقة واللاحقة ذات الموضوع الواحد، ليخرج بنظرة عامة شمولية لموضوع الآية. وتأتي نصوص السنة النبوية شارحة مبينة لما جاء في القرآن الكريم، فهي تُخصص عام القرآن وتُقيد مطلقه، وتُبين مُجمله. حي أن من وظائف السنة بيان وشرح وتفسير ما جاء في القرآن الكريم، ولا يجوز مخالفة أو تجاوز ما صح من السنة في بيان القرآن الكريم. إذ الوحي يشمل القرآن والسنة معاً، والنظرة الكلية للشرع تقتضي فَهم النصوص القرآنية في ضوء نصوص السنة النبوية.

إن القراءة الشاملة الكلية المستوعبة لكل جزئيات النصوص الشرعية، من شأنها أن تُوازن وتُقارن بين النصوص على اختلاف مواردها ونزولها وترجح بين تقابلاتها

هذا الانسجام بين نصوص الوحي، قرآنا وسنة، أعطانا نسقاً تشريعياً متكاملاً، يُكمل بعضه بعضاً، ويشرح بعضه بعضاً، ويعضد بعضه بعضاً، وهو سر إعجاز القرآن الكريم. الأمر الذي يفرض على القارئ النظر إلى النصوص الشرعية باعتبارها قطعة واحدة، وكلاً منسجماً ومتكاملاً، ولا يغني بعضه عن بعض في سبر معانيه ومقاصده. حيثُ وَجب ربط أجزاء هذه النصوص المنسجمة بعضها ببعض، والجمع بين أطرافها وتتبع مواطن ورودها بالمقارنة والجمع، درأ لتوهم التعارض بين مكوناتها، وبياناً لمراد ومقصد صاحبها، وحفاظاً عليها من التضييع أو التبضيع.

ذلك أن النظرة التجزيئية للنص تضييع لحقيقته، ومانع من الوصول إلى مقاصد صاحبه، وهذا ما نبه إليه الشاطبي في موافقاته، حيث قال: " فلا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض إلا في موطن واحد، وهو النظر في فهم الظاهر بحسب اللسان العربي، وما يقتضيه لا بحسب مقصود المتكلم، فإذا صح له الظاهر على العربية رجع إلى نفس الكلام فعما قريب يبد له المعنى المراد". وزاد الأمر إيضاحاً حين قال: "إن القضية وإن اشتملت على جمل، فبعضها متعلق ببعض، لأنها قضية واحدة نازلة في شيء واحد، فلا محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام على أوله، وأوله على آخره، إذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلف، فإن فُرّق النظر في أجزائه فلا يتوصل به إلى مراده، فلا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض".

لأن كلام الله واحد لا تعدد فيه بوجه من الوجوه ولا اعتبار من الاعتبارات، "حتى أن كثيراً منه لا يفهم معناه حق الفهم إلا بتفسير موضوع آخر أو سورة أخرى، ولأن كل منصوص عليه من أنواع الضروريات مثلاً مقيد بالحاجيات، فإذا كان كذلك فبعضه متوقف على البعض في الفهم. فلا مُحال أن ما هو ذلك فكلام واحد". وإذا كان النص الشرعي بهذه الطبيعة المنسجمة فكل قراءة جزئية له تعتبر إهداراً لحقائقه ومعانيه، والتي بضياعها يعيش الناس في تِيه وضلال، ومن وجوه تحريف النص الشرعي الاقتصار على بعض معانيه دون البعض الآخر.

وفي هذا الإطار – إطار مراعاة وحدة النص وانسجامه – قدم الأصوليون منهجاً راشداً للتعامل مع النصوص التي يوهم ظاهرها التعارض، فيما عرف بمبحث: التعارض والترجيح. حيث عرفه الإمام الجويني: "الترجيح تغليب بعض الأمارات على بعض في سبيل الظن"، وعرفه الرازي بقوله: "تقوية أحد الطريقين على الآخر ليعلم الأقوى فيعمل به ويطرح الآخر". جعلوا الجمع بين النصوص الموهم ظاهرها التعارض أولاً، ثم القول بالنسخ ثم التّرجيح بين هذه النصوص الموهمة للتعارض، وإلا يتم العدول عنها واللجوء إلى أصل آخر. وهدف الأصوليين من هذه العملية هو: تصحيح الصحيح وإبطال الباطل، فيقدم الصحيح على ما دونه ويترك الباطل.

إن القراءة الشاملة الكلية المستوعبة لكل جزئيات النصوص الشرعية، من شأنها أن تُوازن وتُقارن بين النصوص على اختلاف مواردها ونزولها وترجح بين تقابلاتها. وتنتج فهماً راشداً لمراد الله تعالى ومقاصد كلامه، وفهماً كلياً للنص الشرعي. يمكننا من استخلاص كليات الشريعة في قضايا عدة تحتاجها الأمة أشد حاجة في بنائها الحضاري، خاصة وواقع الأمة عرف تغيرات كبيرة، فرضت على أهل العلم الحاملين هم التجديد تحديات الإجابة عن أسئلة العصر الملحة.