عندما تخافُ أن تقف على حافةِ الفقدِ للمرةِ الثانية!

blogs - Alone

عندما تخافُ أن تقف على حافةِ الفقدِ للمرةِ الثانية، ستتلاطمُ أمواجٌ من الأسئلةِ في داخلِك "هل سأفقدُه أم سيبقى لي، ماذا سيحدثُ عند فقدِه، هل سأصبحُ صريع نفسي إن نسيت ملامحَه، هل سيصبح حروفًا على أوراقي فيكسوها غبارُ القلب أم أنّي سأكتبُ له والجميع يقرأ وهو ليس موجودًا ليقرأ، هل سأتفقده في كلِّ شيءٍ جميل، هل سأفقده عند ضعفي وحزني، هذا ما يدور في داخلك صراعٌ أمواجُه متلاطمة.

فتجد نفسَك رهين حبسِ هواجسِك ومخاوفِك من الفقد، فأنت تخافُ على قلبِكَ لوعتَه ونارَه وتخشى تكرارَه، وكأنّ القشةَ الوحيدة الذي تُحصِّن بها قلبَك من مرارةِ ذاك الفقد وتكراره ألا تكون ضحيّةً له ثانيةً. فتجد نفسَك مُتمسكًا بشقِّ روحِك، مُحاولًا أن تربطَ ذهابَك بذهابِه وبقاءَك ببقائِه، فلا أنت مُستغنٍ بل أنت دائمُ الاتصالِ به، مُتعلقًا بروحه الذي تشعرُ بدونِها لا حياة لك وأنّها الخيرُ الذي يجملُك والنقاءُ الذي يحتويك.. رافضاً ونابذًا الحياة التي ستشرق شمسها دونها، لكن خوفك من فقدانِه لن يتركَك.

كأن ذكراهم تلك الشجرةُ التي نتفيأ تحت ظلالِها من حرارة الحياةِ السليطة، فنسعى لأن نكون أفضل وأكثر صبرًا حتى نستحق الاجتماع بهم

ستجدُ نفسَك في عزِّ فرحِك وطربِك مَعَه تخافُ فقدانه فتجد نفسَك تطربُ بسماعِ أنفاسَه، تهتمُ به وتلجأ إلى القضاءِ معه معظم الوقت تؤنسُه حتى ينسى كلَّ شيءٍ سواك ترضيه عند غضبِه، تنزلُ عند رغباتِه، تنتظره حين يغيب وربما يعود بلا عذرٍ فتقبله. لا تجري عليه قوانينَك، تأخذ بيده، تكون العضد الذي يتكئُ عليه، ولربما تجد نفسك تُوثق أجمل اللحظات معه خوفًا فقط من أن يتركَك دون سابقِ إنذار دون عودة! فلا يوجد بعد ذلك طيفٌ له ليكونَ سلوتك بعد فقدانه، فتجد بفعلتك تلك بأنّك قد قبضت على شيءٍ ثمينٍ وباقٍ ولربما خففت بذلك من شعور الخوف من أن تعيشَ في دنيا لا خير لك فيها حتى بدون طيفه بعدما كنت أنت النسيم الذي يركض عند هوائه وضحكاتك التي تطير في سمائه والنجوم التي تضيء أرجاءه والغيوم التي تبكي على جباله والهموم التي تستظل بظلاله..

فتخشى فراقَه خوفًا على تفاصيلِك المُلونة بألوانه أن تصبحَ بعد رحيله لونًا باهتًا لا تعرفُه باقي الألوان، أن تجدَ همومَك تأتيك بصورهِا المضاعفةِ بعدما كانت تأتيك بصورِها المخففة.. فتعتقد أما لروحك الرحيل لرحيلها؟! كيف لك أن تفكر بالعيشِ بدون مائك وهوائك الراحلَين مع تلك الروح. أتعتقد أنك ستُفلح بمحاولةِ العيش بدون تلك الروح! أم ستجد روحَك وكأنّها مُعلقةٌ في الهواء تغدو عندك ثانية لعلّها تجد استقرارًا لكن دون جدوى فتروح مع تلك الروحِ الوقت كلّه، فتبقى تغدو وتروح تغدو وتروح تزداد تَعُلقًا فوق تعلقها حتى تغدو ولا تروح. فروحك بالرغم من أنك صاحبها إلا أنك أوجدت ماءها وهواءها في تلك الروح!

دائما اسأل نفسي كم شخص عزيز سيغادرني كم عزيز سأغادره؟ دائما ادعو الله أن أغادرَ قبل أن يغادرني أحدٌ، فلا توجد طاقة للحزن قد فطرت قلوبنا على من غادرونا سابقاً فأرواحنا ترد لحظة لنا ولحظات إليهم.. دائما نحاول أن نتصفَ بالجلدِ ولا نجزع لأن الجزع لن يفيد ولن نجدَ به سلوتنا، بل سيزدادُ ألمُنا ألمًا وستزيد خسارتُنا خسارة، فنُعين أنفسنا على فراقهم نتوق لمن يُحدثنا عنهم نتلذذ بذكراهم. كأن ذكراهم تلك الشجرةُ التي نتفيأ تحت ظلالِها من حرارة الحياةِ السليطة، فنسعى لأن نكون أفضل وأكثر صبرًا حتى نستحق الاجتماع بهم مجاورين الرحمن "عز وجل". وهنيئا لتلك الروح التي غدت دون أن تروح، تروح عندما فارقها نصفها الآخر فالروح من غير مائها وهوائها التي اعتادت عليه تختنق ببطءٍ طويلٍ.. ونختم بقول الشاعر:

فَقَدتُ بِكِ الأَهليـــن قُربى وَأَلفَـة

فَأَقسَمْتُ مَالِي بَعْدَ بُعْدِكِ مِنْ إِلَفِ