logo

في تونس.. هل الشعب هو سبب الفساد الرئيسي؟

إن ما نعيشه اليوم في تونس مخاض عسير يجعل من الواجب التفكر فيه وتحليله وإيجاد الحلول المناسبة. ومع قرب موعد الانتخابات تجد أن الاختيار كالعادة بدأ ينحصر بين أسماء وأحزاب وتوجهات محدودة لكن ما يخفى على الكثير أن الانتخاب يتم على أساس البرامج والحلول المقدمة لا على أساس الانتماء والمظهر والكلام المعسول.

يدعي البعض أن ما تعيشه تونس من مشاكل وصعوبات اقتصادية وانحلال أخلاقي وتدهور للقيم وكل السلبيات الموجودة لا حل لها. أقول لهم إنه منطق انهزامي ضعيف وجبان ينم عن جهل وإلقاء للوم على الآخر دون تحمل أي جزء من المسؤولية. وهذه مصيبة كبرى، فالشعب أصبح ينظر إلى الدولة ككيان غريب وأحيانا معادي وينسى أن من أوصل السياسيين إلى تلك المناصب هو الشعب نفسه بانتخابهم وينسى أن من يتخذ القرارات ونفذها هم الشعب نفسه فمن يأخذ الرشاوي موظفون من الشعب ومن يخالف القوانين هم من الشعب ومن يتحايل على الدولة للتهرب من الضرائب هو الشعب كله ومن يخرب المنشآت العمومية والخاصة من الشعب ومن يسرق من الشعب ومن يبث الفساد الأخلاقي من الشعب.

الانتخابات القادمة فرصة لتغيير الواقع عبر المبادرة لافتكاك موقع من الـ5 بالمائة المتوفرة عبر استمالة أكبر جزء من القطيع والتأثير فيه

واليوم نتحدث عن اتحاد الشغل الذي قام بإضراب عام وخرب البلد بالإضرابات، بربكم هل قيادات الاتحاد هي من تنفذ الإضرابات على الأرض؟ هل نجاح إضراب عام ممكن بقلة من الفاسدين؟ هل تركيع الدولة وتكبيدها خسائر فادحة ممكن لو لم ينخرط غالبية الموظفين من الشعب في ذلك؟ فكيف نلوم غيرنا على ذلك؟ كيف يلوم الشعب الشعب على فساد الشعب؟

الإجابة في نظرية القطيع، هذه النظرية التي تقول إن 80 بالمائة من العالم قطيع يتبعون دون تفكير و15 بالمائة يفكرون في ما يحصل لكن في الأخير قطيع لأنهم لا يبادرون إلى تغيير الواقع و5 بالمائة فقط هم من يرسمون السياسات ويحددون التوجهات لبقية الـ95 بالمائة.

فإذا طبقنا هذه النظرية على الشعب التونسي نجد أن غالبية الشعب 80 بالمائة هم من يخرب البلد دون وعي لأنهم قطيع وهنا نتحدث عن من ينتمي للنداء والنهضة والاتحاد واليسار وكل الاختلافات والتوجهات دون استثناء و15 بالمائة هم نحن الواعون بالواقع والذين يتفكرون في ما يدور حولهم لكن مع الأسف لا نبادر إلى التغيير وإيجاد الحلول فنكون قطيعا أيضا أما الـ5 بالمائة فهي النخبة السياسية والقيادية التي تمسك بزمام الأمور وتحدد التوجهات والسياسات وتقود القطيع وتتنافس في ما بينها لمحاولة استمالة أكبر جزء ممكن منه ليتبعوها. ونلمس انعكاس هذا الواقع على حياتنا اليومية فتجد القطيع يسب القطيع ويتهمه بالجهل والخيانة ويلومه على الواقع المرير. فما الحل؟ هل الحل عند القطيع الغير واعي أم عند القطيع الواعي أم عند القيادة؟

البعض يعتقد أن التغيير يجب أن يكون من الأسفل فصلاح الوضع يستدعي صلاح الكل بداية بالأغلبية لأن مجهود قلة لن يؤثر على الواقع والوضع يحتاج تكاتف الجهود وانخراط المجتمع كله في التغيير. البعض الآخر يعتقد أن التغيير يجب أن يكون من الأعلى أي على مستوى القيادة فمن يمسك بزمام الأمور وقادر على التغيير هم من يملكون القرار. كلى الرأيين جميل ورنان لكن كيف سنغير الشعب كله ونصلح حاله؟ من سيبدأ؟ القيادة؟ كيف والمشكلة في القيادة نفسها؟

الإجابة يا سادة في نظرية القطيع. باختصار الـ15 بالمائة هي الحل فهم الواعون بالواقع لكن ما ينقصهم المبادرة فعلى هذه الفئة التحرك نحو التغيير والمرور من 15 بالمائة إلى الـ5 بالمائة ليكونوا فاعلين مؤثرين وبالتالي التأثير في القطيع الذي سينصاع ويتبع لأنه ببساطة قطيع. الأمل في هذه الفئة اليوم خصوصا من الشباب الواعي الرافض للواقع المرير الطامح إلى التغيير، علينا المسك بزمام المبادرة وأخذ مواقع متقدمة في سلم تقرير المصير.

جدي توفي رحمه الله وأجداد أقراني في أرذل العمر أما أبي وآباء أقراني فليست لهم الجرأة ولا الطاقة لتحمل أعباء التغيير ومصاعبه أما ابني فلا زال بعيدا عن الشأن العام والتفكير في المستقبل. نحن من يجب أن يحمل مشعل التغيير ونفتك المواقع القيادية لتغيير القطيع وقيادته إلى بر الأمان. الانتخابات القادمة فرصة لتغيير الواقع عبر المبادرة لافتكاك موقع من الـ5 بالمائة المتوفرة عبر استمالة أكبر جزء من القطيع والتأثير فيه لا تحاولوا تغيير القطيع الآن بل ركزوا على افتكاك القيادة أولا فالحرب ليست مع الشعب بل مع الـ5 بالمائة المتحكمين فيه.

تلك الفئة التي تجاوزها الزمن والأحداث، لا تنتخبوا بل ترشحوا وبادروا إلى القيادة. ليس مفروض علينا أن نختار بين السيء والأسوأ فنختار أخف الأضرار. بل يمكن أن نقدم الحلول فنكون نحن الحل أما إذا واصلنا البكاء على الأطلال والاستحياء من التقدم للقيادة بحجج واهية كأن المناصب لا تهمنا وتركناها لكم أو أن السياسة عفنة ونحن أنظف من أن ننخرط فيها أو أن الواقع لن يتغير أبدا. دعكم من الانهزامية أفيقوا من الغفلة ولا تكونوا جزءا من قطيع الشعب الذي يلوم الشعب على فساد الشعب.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة