شعار قسم مدونات

الطلاق غير المباشر في العلاقات العابرة

blogs - Fakharani wedding

يقول جبران خليل جبران في الحب: إنّ الحبّ إذ يكلّل هاماتكم له أن يعذّبكم.. فهو إذ يشدّ من عودكم ليشذب منكم الأغصان. وكما يرتقي إلى أعالي آفاقكم، ويداعب أغصانكم الغضّة تهتزّ في ضوء الشمس؛ كذلك ينزل إلى جذوركم العالقة بالأرض فيهزّها هزاَ، ويضمّكم إلى أحضانكم كما يضم حزمة قمح.. فيدرّسكم لكي يعرّيكم.. ثم يغربلكم فيخلّصكم من القشور.. ثم يطحنكم فيردّكم دقيقاً أبيض.. ثم يعجنكم لتلينوا.. ثمّ يسلكم إلى ناره. كل هذا يفعله الحب بكم، كي تعرفوا أسرار قلوبكم، وبتلك المعرفة تصبحون في قلب الوجود.

 

إن الحب رغم ندرة وجوده لهو حقيقة كونية ووجودية نعرفها من المسلمات منذ معرفتنا بوجود قلب ينبض بداخلنا، وكما يقول رابندارت طاغور: كن محبا ترى الوجود حكمة، وأنا أقول: جد الحب وستعرف الحكمة من وجودك، واما انا فأفضل تعريف الحب بأنه ذلك الشعور الذي يسعد القلب ويجعلك ترقص فرحا عندما تلقى الحبيب، بحيث تجعل عقلك وتفكيرك لشخص واحد، تحيا معه أحلامه والامه وافراحه في السراء والضراء، في الغنى والفقر، في الصحة والمرض حتى يفرقكم الموت.

 

وكما يقول الأديب أنيس منصور: الحب هو جنون يساعدك على الإصابة به إنسان عزيز عليك، ولكنني أفضل قول عمر بن الخطاب: العشق مرض، لا أجر فيه ولا عوض. إنني هنا عزيزي القارئ ابدأ قولي واستعين بملكة التفهم لديك بأن تتفهم حديثي هذا وان تعترف ولا تنكر بأنك متى وجدت الحب فإنك منحت مفتاح سعادتك لشخص آخر، ومتى ابتعد عنك هذا الشخص فهو لن يعيد لك المفتاح لأنه مفتاح غير قابل للاسترداد، واعتقد هنا بأنه عليك البدء بصنع مفتاح سعادة آخر قد يطول الأمر بك حتى تصنعه فعليا!

   

الطلاق وللأسف لا يعد تجربة عابرة في هذه الحياة، فالشريك يمضي، والطلاق يمضي، والايام تمضي، لكنهم وللأسف يمضون عبرك! لتعلق في داخلك المواقف السيئة! الذكريات! الألم! الوحدة! خيبة الأمل! الاحباط

وجميعنا نعلم بأن الحب يجب أن يكلل بالارتباط الأبدي المقدس ألا وهو الزواج، ومتى بدأ هذا الزواج ولسبب أو لآخر فقد ذلك الحب فسوف يعلن موته بطريقة واحده ألا وهي الطلاق، ذلك الطلاق الذي هو من أصعب التجارب النفسية التي عرفتها البشرية منذ بدء الخلق، يجعلك في أسوأ الحالات تود التفكير بالانتحار، في أفضلها النوم لأسبوع كامل!

 

لا أنكر بأن الطلاق طريق يمنح الطرفين محاولة جديدة للبدء بحياة أفضل، إلا أنه تجربة صعبة بحد ذاتها تجعلك تشعر بأنك فشلت بشكل كبير في اختيار شريك حياة سلمته ذلك المفتاح، ولم يكن ليضيعه إلا أنه وبطريقة ما ليبتعد عنك كان قد ألقاه وأضاعه عمدا، وعندما يضيع الإنسان مفتاح سعادته مع شريك حياته، فليس هناك طريقة لاستعادة الكرامة والحياة والسعادة إلا الانفصال والطلاق، للبدء من جديد.

 

إن الطلاق وللأسف لا يعد تجربة عابرة في هذه الحياة، فالشريك يمضي، والطلاق يمضي، والايام تمضي، لكنهم وللأسف يمضون عبرك! لتعلق في داخلك المواقف السيئة! الذكريات! الألم! الوحدة! خيبة الأمل! الاحباط! والخوف من منح مفتاح السعادة الجديد لشخص آخر! وفوبيا الارتباط الجديد! والاكثر! المقارنة الباطنية والداخلية اللاإرادية بين الشريك السابق والشريك الحالي.

 

عواقب وخيمة سيئة يتركها الطلاق داخل الأشخاص، ولكنني هنا الآن ليس للتحدث عن الطلاق بعد الزواج، بل للتحدث عن الطلاق في العلاقات العابرة، الطلاق غير المباشر، إننا في عالمنا نجد الكثيرين من الاشخاص الذين اختاروا طريق الحب وقرروا بأنهم سوف يكملون هذه الحياة سويا، ولكن ظروفهم لا تسمح لهم بأن يكونوا سوية في الوقت الراهن لتكليل هذا الحب بالزواج، لذلك يختار هؤلاء الأشخاص طريق الدخول في علاقة حب طويلة الأمد حتى تسمح لهم الظروف بأن يكونوا سوية للأبد.

 

هنا للأسف تكمن هذه المعضلة الكبيرة التي أريد التحدث عنها، وهو أن الحياة لا تمنح وعودا قطعية! وجميعنا نعلم ذلك، فكيف لهؤلاء الأشخاص أن يمنحوا بعضهم كل ما يملكون من مشاعر وهم لا يأمنون جانب الحياة بأن تجمعهم مع بعضهم البعض تحت سقف واحد؟ كيف لهم أن يحبوا بعضهم لأيام وأسابيع وأشهر وسنوات يتشاركون أحداث حياتهم سوية! ويحلمون سوية! ويرفعون سقف توقعاتهم في كل يوم! حتى يأتي ذلك اليوم الذي ينهار فيه ذلك السقف على رؤوسهم! يحطم أحلامهم ويكسر قلوبهم! وما من معزّي وما من مواسي!

 

انه الخطأ الفادح الذي يقع فيه الكثيرين، يعرفون أن الحياة لا يؤمن جانبها، ويجازفون باختيار العاطفة على العقل، وفوق كل هذا يمنحون كل المشاعر وكل الحب بجنون مطلق، ومنذ تلك اللحظة هم بالفعل اضاعوا مفاتيح سعادتهم دون أن يعلموا، واستبدلوها بسعادة مزيفة مؤقته من سراب الحياة ووعودها الواهية.  وبحرفية مطلقة، وبأقدار سيئ طالعها، وبظروف قد تكون خارجة عن الإرادة، يفترق هذين الشخصين، ليتم الطلاق! أجل الطلاق المليء بالوداع والذكريات والقلب المكسور والاحباط واليأس وكل تلك الأشياء التي ستعلق معهم، ولكن الفرق عن الطلاق الحقيقي، هو ان هذا الطلاق لا يعلم فيه الا شخصين، وهو غير موثق لدى الجهات الحكومية، ولكنه موثق في عقولهم، وقلوبهم التي أدماها ألم الفراق، والنصيب.

 

في الفيلم الشهير (THE FAULT IN OUR STARS) يقول بطل الفيلم لحبيبته قبل موته وبعد أنهك السرطان جسده: لا تحزني، يبدو أن العالم ليس مصنعا لتحقيق الأحلام. ويبدو أنني اليوم أؤمن في هذه المقولة، وعلى الرغم من كل كتب التنمية البشرية والأفلام التحفيزية القصيرة التي تحث على محاولة تحقيق الأحلام في هذه الحياة، إلا وانني أؤمن كثيرا أن محاولاتنا في الحياة يجب أن تقتصر على محاولتنا قدر المستطاع في الخروج منها بأقل ضرر ممكن تجاه أنفسنا، وذلك القلب الذي ينبض بداخلنا هو شيء ما لا أعرف ماهيته إلا أنه إذا كسر أو انشطر لألف قطعة، سنحتاج الكثير حتى نستعيد توازننا وسعادتنا في هذه الحياة.

 

كما قال بشار بن برد:

وما نحن إلا كالخليط الذي مضى فرائس دهر مخطئ ومصيب

نؤمل عيشا في حياة ذميمة أضرت بأبدان لنا وقلوب

وما خير عيش لا يزال مفجعا بموت نعيم أو فراق حبيب

 

إنني أحذركم من المجازفة في اختيار طريق حب غير مضمون، والمغامرة في دخول براثن علاقات طويلة الأمد عابرة، لأنها ستعبر أولا واخيرا عبركم، ان الحياة قاعة روليت كبيرة، ولا أنصح أبدا أن تكون مقامرا فيها!