هل الدين سلطة تتحكم بنا وتفرض سلطتها علينا؟

إذا ما صادفت يوما عبارة من قبيل أن فلانا كان متدينا لكنه انقلب على عقبه، وعندما تحاول البحث عن السبب سيقذفون في وجهك بمجموعة من الأعذار، من قبيل أن الآيات الفلانية تعارض ما جاء به العلم، أو الدين يدعوا إلى العنف والاقتتال، أو أن أهله منافقون ولا يعملون به، أعذار كثيرة قد يتخذها البعض ستارا حتى يتخلى عن الدين، أو على الأقل حتى يتبع شهوات نفسه من دون أن يدينه أحد، وفي الحقيقة هذا هو مفهوم التخلي عن الدين عنده، بين من يلقى باللوم على واقع المسلمين الاجتماعي والسياسي، وآخر ربما يتنذر بمستوى حالهم الفكري، المهم كل من وجد ثغرة أو ثلمة يتخذها منفذا ليطعن في الدين، لكن هل وقف يوما أحدهم وسألت نفسه سؤالا بسيطا لم أنا مؤمن؟، هل أجبرك أحد ما على اعتناق الدين؟

وأنا أتابع باهتمام حالة السخط على الدين من بعض الشباب العربي، طبعا مع حالة تردي أوضاع المسلمين والعرب بشكل خاص، غدوت أتساءل مع نفسي ما دخل الدين في كل ما يعيشه الناس، قد يقول لي الكثير منهم بأن هؤلاء يتخذون من الدين ستارا لقمع حرياتنا ونهب ثرواتنا، لا وأكثر من ذلك فهم يقيدون حتى حرياتنا، عبر إملائهم علينا مجموعة من المفهومات الجاهزة، وغير ذلك كثير قد تصادفه هنا أو هناك، ويظل يراودك نفس السؤال لم أنت ساخط على الدين هل أجبرك عليه أحد ما، الإجابة كلنا يعرفها لم يجبر أحد منا يوما ما على هذا الدين، إذن فلم نحن مؤمنون؟

الحقيقة هي أن الدين نحن الذين في حاجة إليه، نحن الذين لا تستقيم حياتنا النفسية ولا الاجتماعية بدونه، حينها سندرك أن هذا أمر لنا وليس علينا

هناك رأيان مشهوران عن أول ما يجب على المكلف، بمعنى أن أي أحد إذا أراد الدخول للإسلام ما أول ما يجب عليه، هناك من يرى أن أول ما يجب عليه هو إقامة الدليل العقلي على وجود الله، وهو ما يسمى عند المناطقة بالنظر، وربما يعتمدون في هذا الأمر على أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل عليه الوحي كان يحبب له الخلاء والتأمل، في حين يرى آخرون أن أول ما يجب على المكلف هو الشهادتان.

طبعا أصحاب الرأي الأول يعد رأيهم ذلك بعيدا شيئا ما، إذ كيف لرجل أمي أن يقيم الدليل العقلي على وجود الله، لكنهم أجابوا عن ذلك، وهذا الأمر فيه نقاش كبير، حول إيمان المقلد وغير ذلك، لكن موقفهم ذا بالذات جعلني أفكر في أمر ما، وهو هل نحن ملزمون بالدين، هل الدين سلطة تفرض نفسها علينا، أم نحن الذين في حاجة إليه، بمعنى نحن الذين لا تستقيم حياتنا بدونه لذلك نحن نؤمن به، وليس نؤمن به لأنه قوة فرضت نفسها علينا.

لو كان الدين قوة تفرض نفسها علينا، سواء كان ذلك مقتصرا على فترة ما، أو فهم معين لنا لهذا الدين فإنه بمجرد أن تتغير نظرتنا له، أو بمجرد ذهاب قوة الجهة التي كانت تقف وراءه أو تمثله، فإننا نخال أنفسنا قد تجردنا من سلطته، وبالتالي لم يعد شيء يربطنا به، أو لم تعد قوة تجبرنا على الإيمان به. لكن لو أدركنا الحقيقة فعلا، وهي أن الدين نحن الذين في حاجة إليه، نحن الذين لا تستقيم حياتنا النفسية ولا الاجتماعية بدونه، حينها سندرك أن هذا أمر لنا وليس علينا، إنه ليس لفلان أو علان حتى نتخلى عنه بمجرد إخلاله هو بأحد قوانينه، حينها سنسعى دوما للبحث عن صوره الناصعة كلما حاول أحد أن يشوهه، أو كلما حاول أحد أن يستغله بطريقة ما، لا العكس.

وذكرت الموقفان السابقان لأنهما بوجه ما كانا يصبان تقريبا في هذه الغاية، فالذين يرون أن الدين سلطة فكرية، تفرض نفسها عليك بالدلائل المنطقية، يرون أنه للإيمان به يجب أن تدرك هذه السلطة، أي أن تدرك فعلا قوة هذا الدين الذي تؤمن به، لكن الذين يرون أن الدين ليس سلطة وإنما هو أشبه بالدواء للناس، الناس في حاجة إليه، لذلك يكفيك النطق بالشهادتين حتى تدخل فيه.

وهذا ربما هو الذي كان سائدا في بداية الدعوة، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر الناس فقط بالشهادة، ومن خلال مواقف كثيرة نستنتج أن الناس في ذاك الحين أدركوا فعلا أنهم كانوا بحاجة لهذا الدين لذلك آمنوا به، لا بسبب أنه كان سلطة تفرض عليهم، طبعا اليوم الكثيرون ممن يتخذون من مسألة تشويه بعض الأمور التي تخص الدين ديدنهم، ويعتقدون أنهم يمتلكون فكرا نقديا، وهم للأسف يجهلون حتى أبجديات الدين، ويخلطون بين أمور كثيرة، فقط ليرضوا شهوات تمردهم.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة