كيف لك أنّ تتحرر من قيود تفكيرك المفرط؟!

في صخب هذه الحياة، وفي ظل التطورات الهائلة والسريعة وأثناء مواكبتنا لما يحصل داخل هذا الكون، من منا لم يُعاني من ألم الفقد أو الفشل، أو الضغوط بكافة أشكالها؛ إنّ كانت دراسية أم عمل أو حتى مشاكل عائلية ونظرة المجتمع؟ جميعنا شعر بلحظةٍ من اللحظات بشللٍ ذهني ناتج من التفكير المفرط اتجاه ما يُحيط به من صراعات، سياسات، حروب أو أزمات اقتصادية سيئة.

عانينا وسنعاني في المستقبل، فكما خُلقنا في كبد أيضاً نستطيع التعامل مع هذه الدنيا بابتلاءاتها وصعوبتها وعثراتنا. إذاً ما المشكلة في هذا؟ وأين المفر من التفكير المفرط؟ لا مفر بل ارتطم بكل قواك، ووفقاً للمنهجية العلمية سوف نتعامل مع (التفكير المفرط) وما ينتج عنه من قلق كمشكلة نقوم بمعالجتها وإيجاد حلول لها. 

أولاً: ما هو الفرق بين التفكير والتفكير المفرط؟

التفكير كما عرفه البعض: "عبارة عن سلسلة من النشاطات العقلية غير المرئية وغير الملموسة المختصّة بالدماغ، والتي يقوم فيها الدماغ عندما يتعرض لمثير ما يتم استقباله من أحد الحواس، أو أكثر من حاسة". إذاً إنه أمرٌ طبيعي يوحي بصحة عقولنا وإدراكنا للواقع. أما التفكير المفرط هو التفكير المستمر بجميع الأمور سواء الصغيرة أو الكبيرة مما يأخذ الشخص فيه وقتاً أكبر في التحليل والتفسير وإضاعة الوقت والفرص.

كُن أناني: نعم فحب الذات هنا شيء جيد فأنا لا أقول لك أن تُصاب بالنرجسية! بل علينا أنّ نتقبل ذواتنا وأنّ نحضنها جيداً

فأستذكر إحدى الاقتباسات من كتاب 33 استراتيجية للحرب لصحفي روبرت غرين: "أسوأ ديناميكية في الحرب، وفي الحياة، هي الجمود، الذي يبدو أنه مهما فعلت فإنك تزيد من حدته. وما إنّ يحصل هذا حتى يسيطر عليك نوع من أنواع الشلل الذهني".

فهذا الشلل الذهني والقلق الناتج من الإفراط بالتفكير يسبب لنا الأضرار منها: التعب والإرهاق الدائم، قلة النوم أو كثرته في بعض الأحيان كعلامة للهروب من الواقع، التردد والخوف من أخذ القرارات، التشتت، الاضطرابات النفسية كالعصبية المفرطة أو الصراخ والبكاء في لحظةٍ واحدة إثر ما كبته الإنسان بداخله. وقد تؤثر أيضاً على جسد الإنسان على سبيل المثال: الصداع، الغثيان، الدوخة، ضعف التركيز، صعوبة البلع، تسارع ضربات القلب. فما دمت هنا لا بد وأنك عانيت أو ما زالت تُعاني من هذا الأمر، أليس من الأفضل أنّ تحرر نفسك من قيود هذا القلق؟ 

علمياً، القلق والتفكير المفرط وما يحمله من أضرار ناتج من ارتفاع هرمون الأدرنالين بشكل غير طبيعي داخل جسمك. ويجدر بي الإشارة هنا إلى أن زيادة الهرمونات في مرحلة المراهقة لذكور أو الإناث تُعتبر أمر طبيعي، حيث تظهر عند الذكور في العصبية وحدة الطبع، أما عند الإناث فتتمثل بالغضب والاكتئاب. وهذا ما ذُكر في كتاب "المراهق" لـ د. عبد الكريم بكار. فإن كنت في هذه المرحلة لاتقلق من هذا الأمر، فهو ناتج عن اضطرابك لجهل طبيعة هذه الفترة التي من خلالها تريد التخلص من قيود الطفولة بسلوكها وتصورتها للانتقال لمرحلة البلوغ والإدراك. 

ثانياً: ما هي الأسباب التي تستدعي تفكيرك المُفرط؟

● عدم تقبُلك لأخطائك وعيوبك. 
● اللوم الشديد لنفس وجلدها.
● الحساسية اتجاه كلام المحيطين بك.
●خوفك من التصريح بأرائك أو أفكارك ظناً أنها لن تلقى قبول الموجودين حولك. 
●الكسل وحالات الفتور أو العكس تماماً الضغط الشديد الذي قد يفجرك في لحظة! 
● تجاربك السابقة أو الحكم المُسبق على الأمور دون تأنٍ أو محاولة للفهم، لذلك يتشكل لديك نظرة خاطئة تُعيق إقدامك على الخطوة التالية، وعقلك الباطنيّ يردد دائماً هل سأنجح أم لا؟ 

وغيرها من الأسباب التي تعيق تقدمنا وتزيد من تفكيرنا وقلقنا اتجاه أي شيء يواجهنا أثناء معاركنا اليومية. لذلك سأعطيك خمسة عشر نصيحة أحاول إلى الآن الالتزام بتطبيقها وتعلمها والثبات عليها: 

● اصغ لصوت قلبك: لا بأس بأنّ تجلس مع نفسك أولاً وتتعامل مع الأمر كأنه مشكلة تحاول التخلص منها باتباع المنهجية العلمية فلاشك أنّك شعرت بها وتحاول فهمها ومعرفة أسبابها وإيجاد الحلول المناسبة. 

● كُن أناني: نعم فحب الذات هنا شيء جيد فأنا لا أقول لك أن تُصاب بالنرجسية! بل علينا أنّ نتقبل ذواتنا وأنّ نحضنها جيداً. أغنى رجل في بابل قد أوصى بعدة وصايا للحفاظ على المال من ضمنها أنّ نحافظ يومياً بـ 10 بالمئة من دخلنا (المال)، ألا يمكن لنا تطبيقها في حياتنا، أنّ نحتفظ بهذه النسبة لأنفسنا! 

● أعلن الحرب على ماضيك، أتذكرون الفيلم الكرتوني (سيمبا)؟ "الماضي ممكن يوجع لكن بوجهة نظري يا تهرب منه أو تتعلم منه، ها فهمت! وناوي على إيه؟".

● اشغل نفسك: الوقت الذي تأخذه في التفكير والتشتت حاول أن تعمل به، كتعلم مهارة جديدة، القراءة، تجريب أشياء لم تُجربها سابقاً، لن يضرك العمل بالبيت كإعادة ترتيب ديكور غرفتك أو منزلك، أو الطبخ مثلاً! 

● التحكم بالعصبية: يمكن لك التخلص من هذا الأمر بتغيير مكانك أو الابتسام، ففي بعض الدراسات مثل نظرية دارون "إذ وجد أن الاستجابة الوجهية تعيد برمجة الحالة العصبية والمشاعر على حد سواء بصورة تجعلنا نشعر بالارتياح حين الابتسام". كما أنها أيضاً تُحفز الدماغ على الإنجاز. لتعرف المزيد حول تأثير الابتسامة علينا أنصحك بمشاهدة فيديو لا يزيد عن ثمانية دقائق The Hidden" Power of Smilling" لا تقلق مترجم للعربية أيضاً. 

● لا تترد من التصريح بمشاعرك وما بداخلك، أرجوك لا توأد أحزانك وهي حيّة، لست مجبراً على ذلك، بل خذ وقتك لتشافي والتعافي من جراحك وضمدها جيداً. 

● لا تكن لطيفاً أكثر من اللازم: غالباً تسعى لإرضاء الجميع على حساب نفسك وتسير بالعلاقات معهم باحتمال تصرفاتهم المزعجة لأنك تراه الصواب للحفاظ على الودّ، لكن هل فكرت بكمية الأذى النفسيّ الذي تأخذه منهم؟ كم ستحتاج من الوقت لتعافى؟ وكما يُقال: "راحتك مغنم"، لا تورط نفسك بمعارك تُهلك طاقتك دون جدوى. 

● تعلم قول لا: أحياناً لطيبة قلبك يطلب منك الآخرون أعمال لتقوم بها أنت رغم معرفتهم بانشغالك أو بحيائك، لذلك قول "لا" لهم يُريحك من عبء تحميلك ما لا طاقة لك به. 

● حافظ على ديمومتك الجسدية مثل لعب الرياضة اليومية، والفكرية وذلك بالخروج من تلك الأماكن المملة ونتعلم منها اليأس والإحباط لتوقفها عن العمل، فمتى انحرف المكان عن الهدف الذي أتيت له اخرج ولا تُبالي. 

● تعلم كيفية اتخاذ القرارات، وهنا إن كنت تخشى من مواجهة ذاتك، ضعها بالمقدمة، مع كثرة المواقف ستضيعُ رهبتك من التحدي والمواجهة. 

● ركز على أهدافك ومن الأفضل أن تكون واضحة، واقعية، مرنة، ومن ثم جزئ هذا الهدف. 

● فكر بإيجابية، بدلاً من توقعك الأسوأ دائماً وتنبأك بالفشل مُسبقاً، استبدلها باستغلال تلك الساعات للعمل بدلاً من إضاعته. 

● حافظ على سلامة بيئتك: اختر من يشجعونك دائماً، يصححون لك عثراتك ويساعدونك في تخطي ما تقلق منه. ومن هم أفضل منك وأكثر إقبالاً على الحياة سيصيبونك بعدواهم. كما قال ايليا أبو ماضي: "فلعل غيرك إن رآك مرنماً طرح الكآبة جانباً وترنما". من قصيدته "قُلت ابتسم". 

● لا تذهب إلى النوم إلا وأنت مُنهك كي تنام أسرع.

● إن لم تستطع التعامل مع الأمر بنفسك توجه لأحد الأشخاص الذين تثق بهم أو لمرشد نفسيّ يُساعدك بالتخلص من هذا الأمر.

وفي نهاية المطاف يُرسل لك مصطفى صادق الرافعي من كتابه وحيّ القلم برقية لقلبك: "في جمالِ النفسِ يكونُ كل شيءٍ جميلاً، إذْ تُلقي النفسُ عليهِ من ألوانِها، فتنقلِبُ الدارُ الصغيرةُ قصراً لأَنها في سَعَةِ النفسِ لا في مساحتِها هي، وتَعرِفُ لِنورِ النهارِ عُذوبةَ كعذوبةِ الماءِ على الظمأ، ويظهرُ الليلُ كأَنه معرضُ جواهرَ أُقيمَ للحورِ العِينِ في السماوات، ويبدو الفجرُ بألوانِهِ وأنوارِهِ ونسماتِهِ كأنهُ جنة سابحةْ في الهواء. في جمالِ النفسِ ترى الجمالَ ضرورةَ من ضروراتِ الخليقة، وَكأنَّ اللهَ أمرَ العالَمَ أَلا يَعبَسَ للقلبِ المبتسم". 



حول هذه القصة

من منا لا ينتابه القلق من فترة لأخرى، بل من منا يغادره القلق أساسا، فالقلق وخصوصا في ظل ما تعيشه أمتنا الإسلامية والعربية من أحداث جسام، أصبح ملازما لأكثرنا.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة