كُتّاب الدفع المسبق..

الكاتب هو شخص يحمل فكرًا ويبثه في ثنايا السطور، أملًا في جذب أنصار لتلك الفكرة، سواء كانت هجومية، أو دفاعية، أو بنائية، يستخدم في كتاباته سلاح الكلمة وقوة الإقناع.

 

يستمد كل كاتب قوته من مخزونه المعرفي، ومبادئه العامة التي تشكل هويته وانتماءه على المستويين العام والخاص، وبحسب التزامه بمنظومة المبادئ والقيم يكون تماسك كتاباته ونسقها، وبقدر ابتعاده عنها تجد ثَمّ التناقضَ وعدمَ الاتساق، ويفترض في كل كتابة أن تكون مؤسسة على خلفية معرفية متينة تسعف الكاتب في توضيح الفكرة وتعطيه ملكة الكتابة الرصينة، من ثراء لغوي، وتسلسل منطقي، وتراكم ثقافي، فضلًا عن سلامة اللغة وسهولة الفهم للقارئ.

 

لماذا يكتب الكاتب؟

تختلف دوافع الكُتّاب للكتابة، فمنهم من يكتب إجابة عن سؤال مطروح، سواءً كان الطرح شخصيًّا أو مجتمعيًّا، فيحاول الإجابة عن طريق الكتابة، أو البحث والتصنيف، ومنهم من يكتب استجابة لطلب، أو إثراءً لفكر، أو تخليدًا لواقعة، … الخ.

 

يكمن الخلل في جعل الكاتب نفسه في متلازمة محور الكون، تدور كتاباته حيث تدور مصلحته، غير آبه بالنتائج المعرفية التي يشيعها والتضليل الذي يمارسه في كتاباته، ولا أدري هل يدرك ما سر ذلك الانفصام النكد بينه وبينه

ومنهم من يكتب للارتزاق والاحتراف، وهنا تكمن المشكلة، ويحصل الانقسام، فتجد كاتبًا يكتب ما يمليه عليه ضميره، ويتوافق مع فكره، وآخرَ يكتب ما يمليه عليه الداعم ورب المال وولي النعمة، فهو على استعداد تام أن يلبّس على شريحة القراء، فيزيف الحقائق، ويكذب ويجادل بالباطل في سبيل دعم فكرة المموِّل، وهؤلاء من أسميهم بـ (كُتاب الدفع المسبق).

     

من هو "كاتب الدفع المسبق"؟

هو شخص أناني تهمه مصلحته المادية الشخصية، أو المنفعة اللحظية على مصلحة الأمة والمجتمع، فهو شخص براجماتي بامتياز؛ خان أمانة العلم والقلم واستخدم سلاحه ضد مصلحة الأمة والمجتمع، فهو على استعداد لنسف مبادئه التي كان يفاخر بها -ولو رياءً-، والانتقال من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار دون خجل.

  

وظاهرة الكُتّابِ مسبقي الدفع ليست بالجديدة ولن تكون موجتها الحاليةٌ الأخيرةَ، فخلال الثلاثة العقود الأخيرة مثلًا برزت نماذجُ كثيرةٌ من الكُتّاب والإعلاميين على مستوى العالم العربي -وهو الذي عليه الكلام هنا- وتبوأ هؤلاء الكتاب والإعلاميون مناصبَ في مرافقَ إعلاميةٍ هامة، وبدلًا من نشر الوعي والثقافة أصبحوا أفاعي تنفث السموم في المجتمعات.

 

ولو عددنا معًا نماذجَ لهؤلاء لما وسعتهم هذا الصفحات، ولا أريد ذكر أسماء بعينها حتى لا أحصر نفسي في طيف معين، أو محيط معين، ولكن دعونا نتأمل انتقالات البعض من أشخاص كانوا أدوات لسياسات طالما أصموا آذاننا في تمجيدها وتلميع رموزها، فلما أفَل نجمها انتقلوا إلى الضفة الأخرى منفصلين تمام الانفصال عن ماضيهم القريب، قبل عام صدر كتاب لأحد الكتاب يفترض أن يؤرخ لمرحلة ما في بلد الكاتب.

 

ينحرف الكاتب بقارئيه بأسلوب فجٍّ إلى التنقُّص من بلده -الذي يفترض أن يفاخر به- بأسلوبٍ سوقي مبتذلٍ؛ مستدعيًا نماذج تاريخية شاذة؛ مختصرًا كل التاريخ في وقائع فردية كانت في أزمنة مفصلية من تاريخ المنطقة، وحين جاء الكلام عن شخص معاصر له يد عليه انطلق من حضيض السماوة إلى عنان السماء في مفارقة عجيبة، ولا عجب إن عرف السبب وأظنه لا يخفى عليكم يا سادة، ونحن لا نعترض على المدح بل الاعتراض على السفاهة والابتذال في الحطّ من قدر شعب بأكمله على مدار التاريخ.

 

يكمن الخلل في جعل الكاتب نفسه في متلازمة محور الكون، تدور كتاباته حيث تدور مصلحته، غير آبه بالنتائج المعرفية التي يشيعها والتضليل الذي يمارسه في كتاباته، ولا أدري هل يدرك ما سر ذلك الانفصام النكد بينه وبينه، أم أنه يعتبر ذلك من "الشطارة والفهلوة" التي تعطيه قيمة إضافية في تسويق نفسه ككاتب مرن -من حيث نظرته لنفسه-، وإن قلنا أنه لا بد من الإعذار في مثل هذه الأمور -حين تكون هناك قوة قاهرة تتحكم بمصير الكاتب، فإني لا أجد له عذرًا إلا في حدود الضرورة التي أقصى ما فيها السكوت والانحناء للعواصف، أم أن يسخر القلم للتزييف ويجند الفكر للدفاع عن الباطل وأهله، والتنقص من الحق وأهله، فتلك خيانة عظيمة ينبغي لمن ارتكبها أن يكسر قلمه، ولا عزاء له.. وللحديث بقية.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة