سؤال الترقي.. كيف نستطيع التخلص من الاستبداد؟

إن الكاتب والمفكر عبد الرحمن الكواكبي ورغم اختلاف الزمان، في كتابه الشهير طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد قد وضع يده على واحدة من أهم القضايا المعاصرة، حيث ما زال هذا الكتاب يحل العديد من الألغاز حول طبيعة الاستبداد.

 

والأهم من ذلك ليس التعريف بالاستبداد فحسب، وإنما الخطة المحكمة التي وضعها لكيفية التخلص منه، لذا فإن إحدى الملاحظات القيمة على كتابه الشهير هي الملاحظة التالية: بما أن الاستبداد ملازم لكثير من الحوادث في هذه الحياة، لذلك فهو يعتبر أحد أهم العثرات والصعاب أمام الترقي وهذه هي الملاحظة الأولى.

 

أدوات ووسائل التخلص من الاستبداد قد أصبحت أكثر سهولة وتناولا وفعالية، بدءا من المواقع الاخبارية الالكترونية مرورا بوثائقيات اليوتيوب والمجلات والصحف المتخصصة

لقد ناقش الكواكبي أشكال وصور الاستبداد الا أنه أشار الى نقطة مهمة جدا، وهي أن الاستبداد يمنع من الترقي في حالين، الحال الأول: عدم الفهم، عدم فهم واقع العصر وواقع الزمان، والحال الثاني هو عدم القدرة، عدم القدرة على معالجة كثير من المشكلات التي تعصف بالمرء، لذا فإن الجهل والعجز سبيلان يقودان الى استبداد المستبد ويمكنانه من سلوك هذا الطريق، واذا أراد الإنسان التخلص من هذا الداء، فعليه معرفة هذا الطريق أولا، ومعرفة شعابه ثانيا، والتعرف الى دوائه ثالثا، فإنه لا يحول بين المرء والترقي الا هذا الداء، وهذه هي الملاحظة الثانية.

 

دعني عزيزي القارئ أن أسبر وأغوص أكثر عمقا: إذا كان للمستبد أدواته وطرقه وأساليبه، فإن هنالك أيضا طرقا وسبلا يوصلان الى بر الأمان، فكلما انسدت طريق برز ضوء من آخر هذه الطريق يهدي الى طريق آخر، ولا بد من الوصول في نهاية المطاف الى سبيل رشيد ومنتهى جيد وحال أفضل من جميع الأحوال التي كانت، لكن الخسران المبين هو أن يفقد الإنسان الأمل في هذه الحياة، ويقع في دائرة الجهل والعجز، ومن هنا أيضا يبرز نور آخر يضيء الدرب وهو أن التغيير الذي يخافه الكثير من الناس هو ذاته النور الذي يشع كي يصب في الصالح العام.

 

أما بالنسبة للأدوات التي تقصر عمر الاستبداد مما يقود في النهاية الى التخلص منه نهائيا، فهي الأدوات التالية: أن يعمل الإنسان عملا دؤوبا على تثقيف نفسه وتعليمها وتدريبها من خلال ترقية المعارف مطلقا لا سيما في مباحث العلوم الاجتماعية والسياسة والاقتصاد والفلسفة العقلية والتاريخ العابر للزمان قديما والسابر للقارات حديثا، إضافة الى ترقية العلوم الجغرافية المستندة على الطبيعية والجغرافيا السياسية، وأود أن اشير إلى أن الجغرافيا السياسية الحديثة تشكل إحدى أهم ركائز السياسة في العصر الراهن، خاصة بعد أن أصبح العالم قرية واحدة في ظل ثورة المعلومات وثورة التقدم التكنولوجي، ومن العلوم المتقدمة أيضا في هذا الزمان فن الإدارة.

 

أما طرق التحصيل فقد كانت تلقيا في عصر الكواكبي، أما الآن فبالإمكان اكتساب المعرف من خلال الشبكة العنكبوتية، التي أصبحت المعارف من خلالها في متناول الجميع، وما يحتاجه القارئ هو المطالعة مع البحث والتدقيق مع قليل من الصبر وكثير من التنوع.

 

وتجدر الاشارة في هذا المقام الى أن العالم قد كان كونا هائلا، ثم أصبح مجموعة من الإمبراطوريات ثم تحولت الإمبراطوريات الى أمم، وبدورها تحولت الأمم الى شعوب، ومن ثم أصبحت الشعوب دولا، وفي أواخر القرن العشرين أصبح العالم قرية صغيرة، أما الآن فإن العالم قد أصبحت شاشة صغيرة، لذا فإن أدوات ووسائل التخلص من الاستبداد قد أصبحت أكثر سهولة وتناولا وفعالية، بدءا من المواقع الاخبارية الالكترونية مرورا بوثائقيات اليوتيوب والمجلات والصحف المتخصصة والكتب الالكترونية والمدونات ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرها الكثير من وسائل المعرفة الحديثة.

 

لكن هنالك ثمة نقطة مفصلية وجوهرية شرحها الكواكبي وأولى إهتماما كبيرا بها، وهي أن الأمة التي لا يشعر بعضها أو أكثرها بالاستبداد أمة لا تستحق الحرية، وما دامت الحياة مستمرة فإن الإنسان يترقى، ولكي يترقى يحتاج الى الحرية، والحرية تنتزع ولا توهب.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة