الحياة الافتراضية.. هكذا نعيش في عالم مزيف؟

تكثر المناسبات في حياة الناس؛ فرحاً وحزناً نجاحاً ونكبةً، والحياة تدور فترميك يوماً بشيء من هذا ويوماً بشيء من ذاك، على نحو ما قال الشاعر قديماً:

فيَومٌ لَنَا ويَومٌ عَلَينا       ويَومٌ نُسَاءُ ويومٌ نُسَرُّ

   

وعلى نحو ما يحضر الأقارب والأصحاب عُرس الواحد منّا عند فرحه قد يمشون في جنازته عند موته، فيُهنَّأ بالفرح ويُواسى عند الحزن والمصاب. وما زالت في ذاكرتي أفراح كثيرة نحضرها في بلدتنا الريفية دون بوّاب، فالفرح مفتوح لكل الحضور فيحضره أضعاف المدعوّين رسمياً، ولم يكن ذاك موضع ذمّ؛ فالناس يفرحون لمن يأتيهم ليشاركهم فرحهم، كما تخفف عنهم حضور الكثيرين جنازات أقاربهم وذويهم.

  

بل كان منكراً عظيماً عند الناس أن تمرّ جنازة فلا تُغلق المحلات التجارية ويقف أصحابها والأحسن أن يمشوا مع الجنازة عندما تمرّ بهم، وأبشع من ذلك أن يذهب أقارب المتوفَّى وأصحابه إلى العمل قبل دفنه أو انتهاء عزائه. حتى قلّت البركة وانحصرت الدعوة للفرح عند البعض ببطاقة مزركشة، لكنها قبيحة وإن كانت مصمَّمة ملوَّنة لأنها تضيّق الفرح؛ ولا أدري كيف يحظرون حضور العامة أفراحهم ويرجون مشاركتهم أتراحهم!

   

كان دخول وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة من فيسبوك وتويتر وواتس آب ثورةً اجتماعية حقاً؛ فالناس وقد باعدت بينهم المحنة وفرّقتهم في البلاد يتواصلون عبرها

وقع الانفجار الكبير وتشظَّى السوريون في كل مكان من بقاع المعمورة، لكنّ الحياة استمرت فبقيت الأعراس تُقام وإن في خيمة لجوء، والعزاء يُعقد وإن على قارعة طريق. كانت وسائل التواصل الاجتماعي قبل الثورة السورية، لكنها لم تكن معروفة لأكثر السوريين حتى وقعت الحرب؛ وليس هذا بدعاً في الأمر، فالناس تبحث عما يلزمها وما تحتاجه في حياتها، فتغفل عن الأمر، حتى إن لزمها بحثت عنه وتكلفت له حتى تتقنه وتملكه.

   

فكان دخول وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة من فيسبوك وتويتر وواتس آب ثورةً اجتماعية حقاً؛ فالناس وقد باعدت بينهم المحنة وفرّقتهم في البلاد يتواصلون عبرها، فتبرد الأشواق وإن قليلاً وتخفّ الأوجاع وإن يسيراً. دخلت وسائل التواصل هذه حياتنا من باب الضرورات، فاستفاد الثوّار منها حتى ظنّوا أنها اختُرعت من أجل مساعدتهم وليس للتشارك معهم بكل ما يفعلون!! ثم استعملها عموم السوريين لتقريب البعيد وإعلان الأفراح وإقامة بيوت العزاء.

  

ومع امتداد المحنة السورية، وانتشار تلك الوسائل وكثرة تداولها حتى صار الجهل بها سُبّة وعاراً، وغدا طول قائمة الأصدقاء أو المعجبين فيها منقبةً وفخراً؛ انتقل الناس معها من الضرورة إلى المتاح، بل صارت عند بعضهم من باب الأَولى. فكنّا والإنسان يترك كل شيء ليكون بنفسه مع أخيه الإنسان في فرحه وحزنه، فإنْ عجزَ لسببٍ قاهرٍ اتصل به يعتذر بشدة ويهنِّئ أو يعزّي ويواسي، وإن تعذّر الاتصال لسفر خارجي أو نحوه كتب رسالةً وفيها اعتذار أكبر، وإن كان عاجزاً لأمّيته أو مرضه كلّف ابناً له أو أحداً معه برسالة على لسانه. ثم صرنا والناس تقفز إلى آخر ذلك من غير عذر!

  

فلعلك تسأل أحدهم: هل ذهبت لحضور جنازة والد فلان جارنا، فيجيبك على الفور: لا؛ أرسلت له رسالة تعزية على الواتس. وثانٍ يردّ: علّقت له على حالته في الواتس، أو منشوره في الفيسبوك. ويمنّ آخر فيقول: بل شاركت منشوراً عن وفاة والده على صفحتي الشخصية، ولن تستغرب أن تدخل بيت العزاء فتجد بعض أهل المتوفَّى يتابعون حساباتهم في وسائل التواصل للردّ على المعلّقين، كما يحرصون على تجهيز الأجواء المناسبة في الأفراح للتصوير والبث المباشر، لعدّ المعجبين والمعلّقين!

  

فإن كانت الأعياد تطايرت البطاقات الجاهزة، وما أكثر أن تصلنا معايدات (جاهزة) ينسى ناسخها حذف اسم مُرسلِها إليه، أو مَن أرسلها إليه قبلاً، فتصل أحمد رسالة محمود، وتصل عبد الله رسالة عبد المجيد!! ولعلهم يتراسلون بعبارات يُنسى كاتبها الأول لكثرة تداولها وهم في خيم متجاورة أو في أحياء المدينة ذاتها! ولن يستبدّ بك العجب وأنت في مناسبة كبيرة لك تحسب أن الناس سيدهمونك ليلَ نهارَ تهنئةً أو تعزيةً أو مباركةً، فتجد البعيدين قبل القريبين يدخلون صفحتك يمنّون عليك بإعجاب أو تعليق، يتخفّفون به من زيارتك!

 

وقوفك مع صاحبك في جنازة والده خيرٌ له من منشور بألف تعليق، واتصالك هاتفياً للسؤال عن حال أمّه وهي في المشفى أعلى من رسالة له عبر واتس آب

قد صرنا ونُعظم في الناس مَن يطرق بابنا للزيارة، أو يتصل اتصالاً خالصاً من المصلحة للسلام والاطمئنان بل ربما نستنكر هذا، وإن جاءتنا في العيد رسالة بالاسم الخاص سُررنا كثيراً لأن مُرسِلها تكلّف عناء تغيير الاسم فيها؛ فأي حياة هذه؟! حقاً؛ إنها حياة افتراضية، انتقلت فيها وسائل التواصل من باب الضرورات؛ والضرورات تبيح المحظورات. فصرنا معها أنها من باب الأَولى أنها أيسر وأخفّ عناءً وأقلّ تكلفةً.

   

غفلنا أن (الضرورات تُقدَّر بقَدْرها) كما في الأصول؛ وهذا يعني هنا ألا يُصار إلى الأدنى عند إمكانية الأعلى، فإن كان الحضور للواجب الاجتماعي فيزيائياً ممكناً فلا يُنتقل للاتصال، ولا يُصار للمراسلة عند إمكانية الاتصال الهاتفي، ولا يُكتفى بالعبارات الجاهزة عند القدرة على الإنشاء وإنْ بعبارةٍ يسيرةٍ.

  

مع أننا نعرف من التاريخ كما نشاهد في الأخبار الرسائل الكثيرة التي تكون في مثل ذلك بين الدول؛ فهل يستوي أن يحضر رئيسُ دولة قمةَ زعماء وبجانبه وزير دولة أخرى؟! وهل يستوي عند الدولة الزعيم الذي يحضر احتفالها بالعيد الوطني ومَن يتصل اتصالاً ومَن يرسل رسالةً بذلك؟ فهل هي رسائل في السياسة وحدها؟ لا؛ في حياة الناس الاجتماعية كذلك، وإن غفل البعض عن قراءتها أو تجاهلوها فكثيرون قد يقرؤونها بدقة وتبقى عندهم حيناً من الدهر.

  

حياتنا قصيرة، ولا تحلو دون محيط من حولنا، والوسيلة وسيلة لا غير، ولنتذكر قول أبي الطيب المتنبي يوماً: ووَضْعُ النّدى في موضعِ السّيفِ بالعُلَى مُضِرٌّ كوَضْعِ السيفِ في موضع النّدى، قد نستعظم من الزعيم أن يخرج في جنازة صديق قديم له، لكنه في الحقيقة إنما عمل بأصله ولم تحجب الزعامة نظره عن عُمره قبلها، فلا نصل في حياتنا مع الناس أن يستعظموا كل شيء منا في عصر الافتراضية!

 

وقوفك مع صاحبك في جنازة والده خيرٌ له من منشور بألف تعليق، واتصالك هاتفياً للسؤال عن حال أمّه وهي في المشفى أعلى من رسالة له عبر واتس آب، ورسالة صغيرة باسم صديقك البعيد أغلى عنده وأثمن من تصميم أنيق مسروق في العيد. وما أجمل هذه الأبيات التي تُنسب للإمام الشافعي:

النَّاسُ للنَّاسِ مَا دَامَ الوَفَاءُ بِهِم والعُسْرُ واليُسْرُ أَوْقَاتٌ وسَاعَات

وأَكْرَمُ النَّاسِ مَا بَيْنَ الوَرَى رَجُلٌ تُقْضَى عَلى يَدِهِ للنَّاسِ حَاجَاتُ

لَا تَقْطَعَنَّ يَدَ المَعْرُوفِ عَنْ أَحَدٍ مَا دُمْتَ تَقْدِرُ والأَيْامُ تَارَاتُ

واذْكُرْ فَضِيْلَةَ صُنْعِ الله إذْ جُعِلَتْ إِلَيْكَ، لَا لَكَ عِنْدَ النَّاسِ حَاجَاتُ

قَدْ مَاتَ قَوْمٌ ومَا مَاتَتْ فَضَائِلُهُم وَعَاشَ قَوْمٌ وَهُمْ فِي النَّاسِ أَمْوَاتُ

  

فهل يستوي مَن تطول حياته بالخير مِن بعد موته ومَن يموت في حياته؟! فإن كنتَ تريد الخلود فلتكن الأولَ لِتَسعدَ في حياتك وفي مماتك، ولا تكن الآخر فتَشقَى في الدارَين.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة