الحب بين التسوّل والتوسّل!

يبدأ الإنسانُ حياتَه بالحب، تنطلقُ أولى أنفاسِه مع الحب، رضيع ضعيف يحبُ والدته ويتعلقُ بها، لا يحتملُ بُعْدَها على الإطلاق، ليبدأ بعدَها بقليلٍ رحلة الوعي، والشعور بالمللِ السريع ما إنْ جلسَ ساكنا دون حراك، يحبُ أنْ يكتشف، يحبّ أنْ يلعب، يحبُ أن يعي الأشياءَ من حوله، يحبُ أخوته الذين يُحدِثون ضجيجا في المنزل، يحبُّ والده ولحيته الخشنة، يحبُ الدمى البلاستيكية، ثم يصبحُ مراهقا طائشا لكنه يعيش مع الحب، يتّجه حبّه نحو اتجاهٍ معين، يحبُّ كرةَ القدم ويتعلّق بها تعلّقا شديدا، أو يحبُ فتاةً مراهقةً تجعَله يقدمُ على الانتحار لو حاولَتْ يوما إقفال الهاتف، يحبُ بشكلٍ جنونيٍ لا يمتّ للمنطق بصلة، حبّ لا عقلانيةَ فيه، لكنه يحب..

 

وبعدها يبدأ العقلُ بالنضج، فتغدو المشاعرُ أكثرَ قوةٍ لكنها بصيرة، حتى وإن قالوا إن الحبّ أعمى، عندئذ تبدأ رحلةُ الإنسانِ بالبحث عمّن يملأ فراغات قلبه. إنّ الإنسان العاطفي يعيشُ في دوامةِ التيهِ بين قلوبِ الناس، يتقلَّب يميناً وشمالاً باحثا عمّن يعطيهِ أكثر، حتى يتحوّل فراغه هذا إلى منطلقِ معضلةٍ عاطفية، تختلطُ بين التوسل والتسول، تراه يتسوّل العاطفة في أقربِ فرصةٍ متاحة، ويعيشُ على ناصيةِ القلوب يشحدها باكياً، فيتحول الجفافُ العاطفي هذا إلى توسّل يجعله يرفعُ كفيّه نحو أفئدةِ الناس يريدُ منهم رزقا يواري به سوءة قلبه، يريدُ منهم اهتماماً حبّذا لو لم يطلبه، يريدُ منهم سؤالاً حبذا لو أنّه لا يعرف إجابته، يريدُ منهم نبضاً يجعله راقصاً في أواخرِ اليل وعند مطلعِ كل فجر، يريدُ منهم ثغرةً يسد بها تلك الفجوة المخيفة، بكل صراحة هو يريدُ الحب.

 

يتربّص الحبّ في جسدِ المرء كما قوةٍ كهربائيةٍ تجعلهُ يفقدُ السيطرةَ على ردودِ أفعاله، فيحبُّ المرءُ الذين لا يشبهونه على الإطلاق، ترى قلبه يقعُ في قبضةِ ذاك الذي يفصلهُ عنه آلاف من الفروقات

يريدُ حباً يأخذه من متاعب الدنيا، هي لا تريدُ رجلاً فقط، وهو لا يريدُ امرأة فقط، بل يريدُ الإنسان كتفاً يستندُ عليه عند التعب، يريدُ يداً دافئة تلامسُ أطرافه الباردة، يريدُ حضناً يجعلهُ يرمي أثقالَ دنياه فيه ومن ثم ينام، يريدُ وجهاً يبتسمُ ما إن تذكّره، يريدُ صياداً يلتقط له آمال الحياة وهي تطير فيساعده على تحقيقها، يريد الإنسان حباً وحبيباً ومحبوباً في آن واحد.

 

كل الذين ماتوا، لم يخافوا من الموتِ بحدّ ذاته، بل خافوا الوحدة، كل الذينَ فقدوا أحداً لم يخافوا على المفقود مما ينتظره، بل خافوا على أنفسهم مرارةَ الفقد، خافوا على قلوبهم من بردٍ يجعل شرايينهم تتجمد، خافوا الموتَ لأن من مات لم يعد يستطيع أنْ يمنحهم الرزقَ الذي تعيشُ قلوبهم عليه، كل الذين ماتوا أبكونا لأننا خشينا على أنفسنا نتائج هجرهم، وهذا لأننا نحب، وما أفضل الحب وما أشد سوئه!

 

يفقدُ الحبُ قيمته لو كان من طرفٍ واحد، وتنكسرُ أجنحته فلا تعد تغويهِ سماءٌ ولا أفق، يفقدُ الحبُّ قيمته حينما يتحول إلى تسّول يُنظر إلى طالبه نظرةَ الفقيرِ المفلِس، يفقدُ الحب قيمته حينما يتحوّل إلى توسّل يُنظر إلى صاحبه نظرة الضعيف الذليل، الذي ترتبط قوته بإجابة المسؤول، وكأنّه مات بعدما أصبح للحب سائل.

 

يفقدُ الحبُّ قيمته عندما يأتي الشتاءُ ولا يكون للنارِ بديلاً، حينما يأتي الصيفُ ولا يكون للنسمةِ بديلاً، يفقدُ الحب قيمته حينما يأتي الليلُ ولا يكون للنورِ بديلا، يفقدُ الحب قيمته حينما يأتي النهارُ ولا يكون الحب فيه للظلِّ بديلاً، يفقدُ الحب قيمته عندما يأتي الإحباطُ ولا يكون للأملِ بديلا، عندما يأتي الجوع ولا يكون للشبعِ بديلاً، عندما تأتي الظمأةُ ولا يكون للماءِ بديلا، عندما يأتي الألمُ ولا يكون للدواءِ بديلاً، عندئذ يفقدُ الحب قيمته، ويسقطُ ميّتاً بين التسوّل والتوسّل.

 

قيلَ أنّ الرجل قد كان قائداً عسكرياً ناجحاً حتى أحب، وأنّ القاضي كان عادلاً إلى أن أحب، وأن المرأةَ كانت جميلة إلى أن أحبّت، وأن الشيخ كان تقيا إلى أن وقع في الحب، فهل يؤثر الحبُّ على جمال الإنسان أو عدله أو قوته أو إيمانه؟

 

يتربّص الحبّ في جسدِ المرء كما قوةٍ كهربائيةٍ تجعلهُ يفقدُ السيطرةَ على ردودِ أفعاله، فيحبُّ المرءُ الذين لا يشبهونه على الإطلاق، ترى قلبه يقعُ في قبضةِ ذاك الذي يفصلهُ عنه آلاف من الفروقات، كأنْ يحبَّ الشتاء والمشيَ تحت حبات المطر، فيحبّ إنسانا لا يحتمل الشتاءَ ولا حتى من وراء النافذة، يجعلهُ يحبّه رغم حرمانه من العيشِ بلحظاتٍ خاصة لطالما حلمَ هو بها، فيمسي مضحيا بكل ما تشتهيه نفسه لأجل محبوبه، وآخر يسقطُ فؤاده في قبضةِ شخصٍ يشبهُه بكل شيء، لكن لا ظروف تجمعهما معا، كأنّ يحبّ المرءُ الشتاءَ جدا والمشي تحت المطر، ولكن محبوبه يقطنُ في قارةٍ بعيدة وحارةٍ جدا، لا يتمنوا إلا لقاءً قريبا يجمعهما في شتاء واحد، لكن تأتي الظروف فتجمعها شتاءٌ باردةٌ و تفرّقهما عاصفةٌ من مطر، لا يدرك كلاهما من كان السبب، فيعودُ القلبُ وحيداً مرةٍ ثانية لا يدري بأيّ صحراء يحطّ، يريدُ أن يستقي من ماءِ الحبّ ما يروي عطشه، لكن يدرك بعد خوض كل تجربة أنّ الحبّ صحراء لا ماءَ فيها، وأنّ التجربة ليست إلّا سرابٍ يأتينا ونحن نعبرُ هذه الحياة ريثما ننتهي.



حول هذه القصة

الغياب فراق أصغر، اتقاد لجمر الشوق، وإرباك لنبض القلب، اختلاس لقطعة من الروح يسرقها الحبيب منا، أليس الغياب هو الذي أنطق محمود درويش ليقول: قل للغياب نقصتني وأنا حضرت لأكملك!

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة