"نظرية المؤامرة".. من يقف وراء مظاهرات الجزائر؟

blogs الجزائر

أنا لست خبيرة محنكة في السياسة ولا كاتبة صحفية متخصصة في هذا النوع من المواضيع لكنني حاولت أن أنقل رؤيتي وتساؤلاتي حول الأحداث الأخيرة في الجزائر.

 

من يقف وراء المظاهرات؟

ليس غريبا أن تحشد وسائل التواصل الاجتماعي الشعب على كلمة واحدة سواء كان الخطب جللا أم لا، لكن البعض قد يعتبر الامور مريبة بسبب عدم وجود طرف واضح دعا إلى الحراك الاخير في الجزائر حتى ولو كان مجرد منظمات تابعة للمجتمع المدني ذاته، من جهة اخرى قد نفسّر الامر بعدم وجود حركة فعلية تمثل الشعب سواء حقوقية أو سياسية، بل إنّ هذه الأخيرة لا تتجرأ حتى على تبني هذا الحراك أو احتضانه ودعمه، كما فعلت جماعة الإخوان المسلمين مثلا في مصر، نظرا لغياب ممثل حقيقي لتطلعات الشعب الجزائري من المعارضة أو غيرها هذا إن فرضنا جدلا وجود معارضة في الجزائر، فضلا عن فقدان الشعب الجزائري للثقة في أي جهة تحاول توجيهه، كما أنّ هذا الشعب المتتبع لثورات الربيع العربي مدرك بأن الالتفاف وراء أي فصيل قد يضعف الصف ويحوّل الثورة إلى فتنة، وانا لا أقول هنا انّ ما يحدث ثورة (على الأقل إلى غاية الآن) حتى لا يتهمنّي أحد بالمبالغة أو التحريض، لكن ما قصدته هو أن الشعب يريد إبقاء الأمور على ما هي عليه (مطالب شعبية خالصة) خالية من كل خلفية غير شعبية.

  

نظرية المؤامرة!

الحديث عن طرف آخر (خارجي أو داخليّ لمصلحة طرف خارجي) قد يكون أطّر هذه الحركة الشعبية يقودنا مباشرة إلى ما يعرف بنظرية المؤامرة وهي نظرية مقبولة في مجملها، فكل الشعوب العربية لطالما كانت مستهدفة بالتجويع والتجهيل والتفقير حرصا على عدم تقدمها، لكنها نظرية مرفوضة في سياق الاحداث الحالية في الجزائر بل وفي سياق الربيع العربي عموما، فهذا المتآمر الذي قد نسلّم بوجوده لبناء النظرية ناجح فعلا في السيطرة على هذه الدول من خلال الانظمة القمعية التي يحرص على بقائها على رأس السلطة في الدول العربية، فمالذي يريده أكثر؟ خصوصا مع عدم وجود أي إشارات بتغيّر الأمور نحو الأحسن.

  

الأمر المريب الوحيد في حركة الشارع الجزائري هي رد فعل الاجهزة الامنية الذي جعلني أضرب أخماسا بأسداس دون الوصول إلى جواب منطقي مقنع. أوّلا كيف تم السماح بالتظاهر في العاصمة وهو الأمر الذي كان محرما طيلة سنوات مضت

هذه النظريات التخويفية عادة ما تخدم الأنظمة لأنها تلعب على وتر الأمن والأمان، المستوى الثاني من هرم ماسلو للاحتياجات وتحرص على بقاء الفرد دوما في مستوى حفظ حاجاته البيولوجية على أقصى تقدير…لكننا نتعامل مع الأمور بذهن منفتح على جميع الاحتمالات وكل ما تم استبعاده قابل لإعادة النظر لاحقا.

 

الجزائر والنماذج العربية السابقة

إن الشعب الجزائري شعب شجاع ذو رباطة جأش، والأصوات التي تحاول تثبيطه عما يراه (أملا جديدا في جزائر جديدة) ضاربة المثال بدول عربية أخرى أو تخويفا من الغضب الإلهي عقوبة على الخروج عن الحاكم، هذه الأصوات لن تثنيه عن عزمه، بل تستفزه أكثر، لكن لا ينبغي أن نهمل صوت العقل والحكمة وندرس كل خطوة نخطوها ونقرأ ما بين السطور ونتمعن من تجارب الغير، دون ان نلبس بالضرورة لباس الذل أو الخوف أو الكهنوت.

 

أما في أوجه الشبه بين الجزائر وغيرها، فإنني أفترض أن ما جعل الأمور كارثية أكثر وأكثر في بعض الدول هو تشعب علاقاتها وكثرة أطيافها وعلى وجه الخصوص مكانتها (بقيادة سلطتها) في حماية الكيان الصهيوني، لذا فإنني أفترض أن الجزائر لن تكون لها تجربة مماثلة أو قريبة الشبه بتلك الدول، لكننا لا نجزم أيضا بما سيحدث إن كان سيكون أكثر صخبا أم مجرد سحابة صيف وفرصة لتصفية الحسابات الداخلية لا أكثر.

 

قبل ذلك فإن الجزائر تميزت بعدم احتضانها للتيارات السلفية المدخلية خصوصا التي لطالما استماتت في الدفاع عن الحاكم وتحريم الخروج عليه وتكريس هذا المفهوم وترسيخه مثلما حدث في مصر مثلا أو في السعودية إلى غاية الآن. بل ان هذه الفئة قد تمت مهاجمتها رسميا بطرق مباشرة أو غير مباشرة في مناسبات عديدة واعتبرت دخيلة على المجتمع الجزائري، لذا فإن أي دعم لهذه الجهة في الأيام المقبلة قد يكشف الوضع الحقيقي للسلطة ونظرتها للأمور وضلوعها أو لا في التخطيط لما حدث. وحتى خطب الجمعة الماضية المعمَّمة حول موضوع حرمة الخروج عن الحاكم لا يمكن اعتبارها دليلا قاطعا، فالأمور لم تنضج بعد.

 

سلاسة الأجهزة الأمنية وتوقيت الخروج

بالنسبة لي، الأمر المريب الوحيد في حركة الشارع الجزائري هي رد فعل الاجهزة الامنية الذي جعلني أضرب أخماسا بأسداس دون الوصول إلى جواب منطقي مقنع. أوّلا كيف تم السماح بالتظاهر في العاصمة وهو الأمر الذي كان محرما طيلة سنوات مضت، فمهما كانت قوة الجموع وعددهم (وهو ما لم يكن، قياسا على مظاهرات مليونية مثلا في دول أخرى) فإن الأمن قادر على تطويق وفض الاعتصامات بسرعة وسهولة وكفاءة هذا إن سمح أصلا بالتجمع، هذا من جهة، من جهة اخرى فإن غياب القمع في المظاهرات لم يكن في رأيي بسبب سلمية هذه الاخيرة فحسب، فكل المظاهرات من هذا النوع تقريبا، وفي كل دول العالم، وفي الدول العربية خصوصا قد كانت سلمية تماما وتم قمعها بشدة منذ أول يوم.

 

لو فرضنا جدلا أنه لم يتم القمع بسبب خوف الدولة على صورتها أمام العالم أو المجتمع الدولي أو من المساءلة الحقوقية وما إلى ذلك فإنه طرح لا يصلح مع انظمة مماثلة لا تتورع في فعل أي شيء من أجل (أمن واستقرار البلاد) فضلا عن امتلاكها ما يكفي من الأعذار التي قد تبرر لها استخدام القوة، أبسطها الخوف على البلاد من تكرار تجربة (سوريا واليمن) إضافة إلى نماذج قمعية لازالت تصول وتجول وتحظى بالدعم الدولي سرا وعلانية بعد سنوات من انتفاضة شعوبها.

 

إذن فهذه الاحتمالات الثلاثة لغياب العنف لا تجيب عن السؤال، يبقى احتمال وجود مصالح داخلية متضاربة، هي من خططت لهذا الحراك وحشدت الجموع ولم تقمعها، لكن هنا سوف نتساءل من يكون هذا الطرف؟ فلو كان الجيش لكان من صالحه تدخل الشرطة من اجل أن يتدخل ويظهر بمظهر المنقذ مكررا النموذج المصري مثلا، وإذا كان الجيش والشرطة وجهان لعملة واحدة فلمصلحة من هذه السلاسة في التعامل مع الامور؟

 

إن ترشيح السيد عبد العزيز بوتفليقة هو دون شك استفزاز للشعب الجزائري، وكل من ساهم في انجاح ومباركة هذا الترشيح مدرك لهذا جيدا ولا استبعد أن يكون مقصودا، الأمر مستفز كفاية لكي يخرج كل جزائري للشارع وهو يشعر انه خرج بملء إرادته، لكن من المشروع ان نشك بخصوص هذا الأمر، فكل الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية مستفزة كفاية لتجعل الشعب يتظاهر، والعهدة الخامسة غيض من فيض، فالمتظاهرون وإن رفعوا شعار رفضهم لترشح جديد للسيد الرئيس، فإنهم يدركون في قرارة أنفسهم أنه لا يحكم أصلا، وإنما هي فرصة ليخرجوا على من يحكم فعلا، الطرف الذي يحقد عليه الشعب الجزائري فعلا ويتمنى تنحيه، ومرض الرئيس وقعوده فرصة ذهبية وذريعة رائعة تعطي شرعية أكبر وتحشد تعاطفا ومنطقية.

 

لكن هل إذا سحب الرئيس ترشحه وفُرض على الشعب رئيس جديد من جديد تحت نفس النظام هل سيتحقق الرضا الشعبي؟ أم إنّ الشعب يعتقد ان تنحي الرئيس وانتخاب رئيس جديد يعني بالضرورة تحسنّا للأوضاع؟ هل يؤمن بنزاهة الانتخابات وبكلمة الشعب؟ هل يطمع في تغيير نظام الحكم كليا بتنحي السيد بوتفليقة؟ أم إنه ينوي استكمال المسار من أجل تنحية كل الرؤوس واحدا تلو الآخر؟ ولو فرضنا ان هنالك طرفا وراء كل هذا فهل هو مدرك لكل هذه التفاصيل والتداعيات؟