ما يجري أعمق من ثورة.. قراءة لما تحت السطح السياسي

blogs السودان

المحيط الدولي والإقليمي يتعاطى مع ما يجري في السودان باعتباره مجرد حركة احتجاجية ذات دافع اقتصادي ارتفع سقفها مع الوقت لتطالب بتغيير سياسي يتضمن ذهاب النظام، وجهة النظر هذه على الرغم مما تحمله من بعض الصحة إلا أنها تظل مبسطة وقاصرة جداً عن توصيف ما يجري بدقة، وتغفل عوامل ربما هي أهم حتى من الشعارات السياسية العالية.

 

في واقع الأمر إن ما يجري في السودان بعيد كل البعد عن كونه مجرد حالة غضب مبعثها اقتصادي، بل هو قدر ميتافيزيقي –إن جاز لنا التعبير- أنتجته سنين من الممارسات السياسية والظلامات التاريخية منذ الاستقلال عن بريطانيا، هذه الممارسات تضاعفت وتناسلت في حقبة الإنقاذ لتقتحم كل البيوت السودانية دون تمييز للسياسيين عن غيرهم من عامة الشعب، فالكل تذوق ذات السوط من الاستبداد بغض النظر عن انتماءه السياسي من عدمه.  

 

ما يجري اليوم ليس ثورة على النظام فحسب بل على الطريقة التي ظل يحكم بها السودان منذ الاستقلال من ترضيات وموازنات طائفية مروراً بسلاسل الانقلابات العسكرية الطويلة

لذلك المتضرر من الطريقة التي جرى بها حكم البلاد لم تكن الطبقة السياسية وحدها أو النخب الفكرية فقط. إذ أنه وبجانب الاستبداد السياسي فرضت النخبة " الإسلاموية" الحاكمة حالة من الاستبداد الاجتماعي والإقصاء المتعمد لقطاعات واسعة من الشعب، شمل أجيال تمثل الآن الغالبية العظمى من المواطنين.. فالنظام الذي يحكم الخرطوم اليوم يختلف كثيراً في بنيته التركيبة عن كل أنظمة المنطقة العربية، هو نظام شمولي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، نظام أشبه بأنظمة ما قبل الحرب العالمية الثانية، ذلك النوع الذي يستند إلى الأيدولوجيا ويتغلغل في كل مفاصل الدولة، من اتحادات الطلاب إلى النقابات العمالية، الأندية الرياضية وليس انتهاءً بالجيش والمؤسسات المدنية.

 

الواقع أيها السادة يقول بأن المواعين السياسية والاجتماعية للدولة السودانية بشكلها الحالي لا يمكن لها أن تتسع لتستوعب قطاعات واسعة من الشعب استطاعت أن تُفلت من طور التدجين السياسي، هذه المواعين المصممة أساساً من قبل الأنظمة المستبدة التي تعاقبت على حكم البلاد سوف تظل قاصرة عن استيعاب الملايين من الشباب المثقف والمتجاوز في أحلامه وتطلعاته لكل الرؤى القابعة في أذهان السلطة الحالية ومثقفيها.

 

لذا لا ينبغي النظر لما يحدث في السودان باعتباره مجرد حركة احتجاجية عادية، لأن الأمر في حقيقته هو تحول عميق في الموازيين الاجتماعية ومستوى الوعي الفكري والسياسي، وما التظاهرات والاحتجاجات إلا كـ قمة جبل الجليد، جزء صغير فقط من هذا التغيير ظاهر للعيان بينما أطنان أخرى مستترة تحت هذا السطح السياسي والمتوتر وتهدد بالانفجار في أي لحظة.

 

ما يجري اليوم ليس ثورة على النظام فحسب بل على الطريقة التي ظل يحكم بها السودان منذ الاستقلال.. من ترضيات وموازنات طائفية مروراً بسلاسل الانقلابات العسكرية الطويلة ووصولاً إلى حقبة الانقاذ السوداء وحكم الفرد المتسلط، كل هذا قد تجاوزه الوعي الشعبي تماماً ولا يمكن له يستمر بأي حال، على الجميع أن يفهم أن التغيير الجذري في بنية الدولة وقيادتها لم يعد ضرورياً فحسب بل عملية حتمية لا يمكن تجاهلها أو إيقافها.. إذ أن الملايين من أبناء جيل الثمانينات والتسعينات صاروا الآن يشكلون منظومة مستقلة تماماً فكرياً واجتماعياً عن واقع الحياة المتخلف الذي صنعته السلطة، وكل لحظة تمر تدفع بهؤلاء الشباب إلى الأمام وبتلك القوى التقليدية التي يستند عليها النظام إلى الوراء.

 

 المستقبل ليس في مصلحة السلطة، هذا واضح للعيان، ولن أبالغ إن قلت أن النظام سيكون محظوظاً جداً إن أسقطته موجة الاحتجاجات الحالية، أقول ذلك لأن الموجة القادمة ستكون أكثر راديكالية وأقل تسامحاً، ربما إن فكر النظام اليوم بقليل من الواقعية السياسية وبقراءة موضوعية للواقع بعيداً عن العنتريات والشعارات أقول ربما أدرك أنه يتجه نحو حائط إسمنتي ليس بالإمكان تجاوزه، حينها قد يفكر جدياً في التخلي عن السلطة لعل ذلك يضمن له البقاء على الخارطة السياسية ولو شكلياً بعد أن سقط فعلياً من الخارطة الاجتماعية.