كفرناحوم.. ملائكة أرض الفوضى!

blogs كفرناحوم

"بدي اشتكي على أهلي.. لأنهم خلفوني"
-مقتطف من حوار الطفل زين بطل الفيلم

بهذا الحوار بينه وبين القاضي، يُعرّفنا زين بطل فيلم كفرناحوم على نفسه بعد اعترافه بمحاولة قتل زوج اخته ويقرر مقاضاة أهله لأنهم أنجبوه في زمن الحرب. عنوان الفيلم يحيل إلى اسم القرية الفلسطينية التي ألقى فيها يسوع المسيح موعظته المسماة "عظة الجبل"، والكلمة تعني أيضا في اللغة الفرنسية الفوضى وهكذا تركنا الفيلم بعد نهايته، وحسب نادين لبكي مخرجة الفيلم  فقد اختارت العنوان لجماليته وعمقه قبل السيناريو بنفسه!

يتناسب المعنى الفرنسي للعنوان مع كل ما يحمله الفيلم من خليط البؤس والدمار الذي يشكل مجتمعات الهامش ومخيمات اللاجئين: طفولة مهمشة، بيدوفيليا، مخدرات، تعنيف، حرمان، تجارة البشر.. يتحمل زين الطفل ذو الثانية عشرة كل هذه الصراعات ويحمل على كتفيه الهزيلتين معجزة محاولة العيش، استطاعت نادين أن تصور لنا الطفل السوري زين كمدخل للتعرف على قساوة الحياة لدى اللاجئين السورين بلبنان ومعاناة أطفال الشوارع والتشرد، أي ذلك العالم الذي لا يعنينا بشيء ونخاله بعيدا ونحن مختبؤن في منازلنا أو نشاهد الفيلم في دور السينما بينما هو في الحقيقة عالم قريب لنا ونتقاطع معه في كل يوم دون مبالة.

ما حققه الفيلم
في ساعتين من إنهاك المشاهد بالفقر والهم ومشاهد البؤس دون أن تشير أصابع الاتهام لأي جهة، يفرز الفيلم حلا سحريا: "يجب على الفقراء عدم الإنجاب"، متجاهلا بذلك دور الدولة والحرب وملقيا بالتهمة للحلقة الأضعف

يجمع الفيلم كل المقومات التي تسمح له بالتنافس في الجوائز العالمية -بمنطقها الحالي- مخرجة شابة من العالم الثالث، مسابقات عالمية تشوبها شبهات التحرش وتبحث عن إعادة ثقة المخرجات، الفقر والكثير من الفقر.. رُشح الفيلم لجائزة الأوسكار صنف أفضل فيلم أجنبي لسنة 2019، وحاز على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان لتكون نادين بذلك أول امرأة عربية تحقق هذا الإنجاز وبعد 15 دقيقة من تصفيق الحضور على عرضه، كما تم ترشيحه لجوائز الغولدن غلوب، الجميل في الفيلم أن الممثلين فيه غير احترافين وخرجوا من الواقع الذي تصوره القصة فكلهم لاجئون اقتنصتهم أعين نادين من المخيمات، أبطال الفيلم لم يمثلوا بل تفاعلوا..

في قعر البؤس الذي لا قعر له

لا مكان للون الوردي في هذا الفيلم، لا حنان ولا أمومة ولا فرح.. مجرد ألوان قاتمة طيلة ساعتين من العرض نجحت فيهم نادين في إحكام قبضتها على عنق المتفرج وجعله يتباكى مع القصة، تشكيلات الألم والبؤس متنوعة في سينماتوغرافية الفيلم: الأزبال المنتشرة، الألوان الباهتة، صراخ الأطفال، صنبور المياه المهترئ، المخدرات…

يعيش المتفرج طيلة الفيلم حيرة في اتخاد قرار هل ما يشاهده فيلم وثائقي أم تأليفي، بذلك تكون نادين قد نجحت في تقريب المتفرج من معاناة العالم الهامشي وفي ذات السياق فشلت بسقوطها في فخ صنع فيلم وثائقي توعوي تغيب فيه الحبكة على حساب كثرة الدراما واللعب على مشاعر المشاهدين، وبذلك انزاح الفيلم عن القضية الاساسية ألا وهي أزمة اللاجئين، كما أن المتفرج يطرح على نفسه سؤال مكان حدوث القصة فقد غيبت المخرجة هذا المعطى وظلت استنتاجات المشاهدين تشير إلى بيروت.

أما في سرد القصة فقد اعتمدت المخرجة الانطلاق من اللقطة الختامية (محاكمة زين) معتمدة أسلوب full circle أي الانطلاق من حدث والعودة له بطريقة الفلاش باك، لكي تظهر لنا أن شخصيات القصة تعيش حياة دائرية مفرغة. تتجمع المشاكل حول زين بداية بقرار تزويج أخته القاصر وفراره للعيش مع العاملة الإثيوبية وابنها يوناس، ليجد نفسه في مواجهة قبح العالم غير أن نادين حاولت معالجة عدة قضايا في وقت وجيز (المخدرات، الاتجار في البشر، زواج القاصرات، اللجوء) وهناك فقدت التوجه، لكنها نجحت في زعزعة مشاعرنا خصوصا وأن فكرة الفيلم رغم تكرارها إلا أن الزاوية التي أُخدت منها (رفع دعوة على الآباء) تبدو طرية ومغرية.

وفي ساعتين من إنهاك المشاهد بالفقر والهم ومشاهد البؤس دون أن تشير أصابع الاتهام لأي جهة، يفرز الفيلم حلا سحريا: "يجب على الفقراء عدم الإنجاب"، متجاهلا بذلك دور الدولة والحرب وملقيا بالتهمة للحلقة الأضعف أي الضحايا كأن الفقر والتهميش لعنة إلهية أو يأتي من العدم، أثقلت نادين فيلمها بالأزمات لكن عوض فكها أو ترك حرية الفك للمتلقي، رمت بالحل السحري الخيالي وقطعت السرد الحقيقي.

ورغم الانتقادات الموجهة للحبكة وعدم نجاحه في إدخالنا لمعاناة اللاجئين وتركه لنا نحوم حول السطح إلا أن أداء الممثلين كان هائلا خصوصا الطفل زين الذي لم يسبق له كجل الطاقم أن ظهروا في فيلم من قبل، وقد امتلئ الفيلم بلقطات عفوية وارتجالية كشفت عنها نادين في لقاءات من بعد العرض كأحد المشاهد العاطفية التي تقول فيها أم زين بحرقة للمحامية: "إنت ما بتعرفي شو يعني تخلطي مي وسكر تتشربي إبنك"، أو جواب الطفلة اللاجئة السورية لزين حين سألها عن سبب رغبتها في الهجرة لأوروبا: "هناك الأطفال بيموتوا موتة ربهم". بإغفال الهفوات التي عرفها الفيلم، يجب تحية نادين لبكي لتسليطها الضوء ولو بقعة صغيرة عن عالم الكفرناحومين وإيصالها لصوت هذه الفئة.