عندما حملت رسالة من تودوروف إلى سارتر

BLOGS سارتر وتودوروف

بعد رحيل المفكّر الفرنسي من أصل بلغاري تزيفتان تودوروف، تتالت مواقف التأبين على المواقع التواصل الاجتماعي والتي اجمعت كلّها تقريبا على مكانة هذا الرجل في المدوّنة النقدية العالمية. لكنّني لاحظت أمرا آخر ملفتا للنظر وهي الترجمات الكثيرة لأعماله إلى اللغة العربية وربّما هذا ما يعدّه الأوفر حظّا في مرور مبادئه الفلسفية والنقدية إلى اللغة العربية. ولعلّ كتابه نقد النقد هو من بوّأه هذه المكانة المرموقة في صرح النقد العالمي، فهذا الكتاب عدّ مرجعا مهمّا للكثير من دارسي المدارس النقدية من صعود الأسلوبية ثمّ البنيوية وبعد انهيارها على يد التفكيكية… ولكن الملفت للانتباه إخراج تودوروف لجون بول سارتر من تحت عباءة النقد، وهذا ما عدّ مبحثا شائكا وجدتني أغوص فيه حدّ الثمالة وكأنّني بمراسل يحمل رسالة من تزيفتان تودوروف إلى جون بول سارتر. وفي هذا المقال سنسعى لإماطة اللثام عن الأسباب الفلسفية والفكرية التي دفعت تودرورف إلى المجازفة بهكذا فعل نقدي جريء.

يقول زياد العوده في كتابه نقد النقد من موريس بلانشو إلى تزيفتان تودوروف: بعد هذه الإيعازات الصريحة والضمنية، يشعر المرء مسبقا أنه مخطئ إذا ما حاول أن يحطّم السحر الغريب، وأن يسعى لمعرفة ما يقوله بلانشو بالضبط عن الأدب وعن النقد. ومع ذلك، فاللغة ملك عام، فالكلمات والتراكيب النحوية لها معنى يتضمن شيئا فرديا. يقال إن الشعر غير قابل للترجمة، غير أن الفكر ليس كذلك، والحق أنه لا بدّ أن يكون هناك فكر لـ بلانشو، ضمن آلاف الصفحات النقدية التي نشرت تحت اسمه. ولسوف أقبل، والحالة هذه، القيام بدور الخادم القبيح، وتقديم ترجمة لذلك الكلام الذي لا يقول شيئا مستخدماً عباراتي: إن تفكير بلانشو على الأدب ينشأ من تفسير لبعض جمل مالارميه التي يذكّر بها على امتداد مؤلفاته كلّها. 

تودوروف يرفض بشكل قطعي أن تخضع المؤسسة النقدية لنظريات جاهزة تكون أشبه بالبروماتر الفكري، فالعمل الأدبي أو الفلسفي يخلق الردّ النقدي بنفسه دون أن يخضع مسبقا لأيّ شكل من أشكال التساؤل

من هذا القول نستنتج أنّ اللغة ملك لعموم الناس لكن الملكية الخاصّة تدخل في إطار الاستعمال الذاتي لهذه اللغة لتصييرها أفكارا ومبادئ قد يؤمن بها الناس وقد لا يؤمنوا. ولعلّ تودوروف قد لامس في سارتر ذلك المفكّر الأكاديمي الذي لم يستطع التفريق بين ذاتيته كمفكّر مثير للجدل وبين الموضوعية بما هي نقل للأشياء كما هي لا كما يبدو لك على نحو ما عرّفه لالند للموضوعية. فأكاديمية سارتر كانت لعنة عليه حسب تودوروف وهذا ما جعله خارجا عن صفّ النقّاد الذين لا يجب أن يلتزموا بالقوالب الأكاديمية الجاهزة حسب تودوروف. كما أنّ سارتر تخندق في محور آخر وهو ذلك الفيلسوف الوجودي، والذي ظل حتى يومنا هذا علامة فارقة في تاريخ الفكر الفلسفي الفرنسي والفلسفة الوجودية بالتحديد مما أهلّه لأن يكون صاحب رؤيا ورؤية، ناهيك أنّه مثقل بكونه فيلسوفا يحمل في أعماقه فكرة جوهرية أساسها ماهية الأدب، فالإشكالية هنا ليس أدبية بحتة ولا فلسفية صرفة بل كلاهما. وهذا في حدّ ذاته مثير للقلق حسب تودوروف، فالناقد الذي لا يفصل بين الذاتية الأدبية والكونية الفلسفية لا يمكن أن ينجح في رسم ملامح خطّة نقدية خاضعة لسؤال المنطق لا إلى منطق السؤال.

 

وأذكر هنا أمرا مهمّا قاله الدكتور المصري محمد غنيمي هلال في مقال له بعنوان في مواجهة الهراء مقتسبا قولة لسارتر: يتساءل بعض ذوي العقول الجدلة إلام هذه الدعوة إلى الأدب الملتزم؟ إذن هذه هي الواقعية الاشتراكية القديمة، إن لم تكن تجديد في النزعة الشعبية، على نحو أعنف. كم من حماقات، ذلك أنهم يقرؤون مسرعين دون أن يتدبروا، ويحكمون قبل أن يتثبتوا. وإذن، لنبدأ من جديد، وليس في الأمر مسلاة، لا لي ولكم، ولكن علينا أن نسبر غور المسألة. وما دام النقاد يدينوني باسم الأدب، دون أن يقولوا ما يفهمونه من مدلوله، فخير ما نجيبهم به أن نبحث فن الكتابة بدون مزاعم، متسائلين: ما الكتابة؟ لماذا نكتب؟ ولمن؟ وحقًا يبدو أن هذا هو ما لم يسأل إنسان نفسه قط. 

وعلى ضوء هذا الإتراف الهام من سارتر، نلحظ أنّه أجاب على ما أسماه هو نفسه إدانة من النقّاد له، فكانت إجابته بأسئلة الكتابة الثلاثة: ما الكتابة؟ لماذا نكتب؟ لمن نكتب؟ وتودوروف من ناحيته يرفض بشكل قطعي أن تخضع المؤسسة النقدية لنظريات جاهزة تكون أشبه بالبروماتر الفكري، فالعمل الأدبي أو الفلسفي يخلق الردّ النقدي بنفسه دون أن يخضع مسبقا لأيّ شكل من أشكال التساؤل. وقد قدّم تودوروف نفسه من خلال ممارسته لنقد النقد بصورة عملية من خلال محادثات أجراها مع بول بنينو، إلا أنه لم يضع مفهوما واضحا وصريحا لنقد النقد، رغم تعريجه على عديد من النقاد والمفاهيم والأشكال السردية. فالفارق واضح هنا ولعلّه سبب آخر من اقصاء تودوروف لسارتر في هذا الكتاب وهو أنّ الأوّل لا يعنى بالتعريفات أمّا الثاني فيراها أساسا لكلّ مدخل عقلي.

في الختام، لا نفشي سرّا حين نقول بأنّ ما حمله كتاب نقد النقد من لغة مغايرة اقتربت إلى الرواية منها إلى اللغة النقدية لم يتجاوز محصّلة نتاجات كبار النقّاد فحسب بل فتح الباب أمام مبحث آخر هو الميتانقدية والتي تعنى بكتابات الحداثة السيالة بين البناء والهدم دون إخفاء قصور المؤسسة النقدية العربية على تقديم مقاربات يجعلها تتبوّأ المكانة التي تصبو إليها.